Skip to main content

الأَصحَاحُ الثَّانِي

وَصفُ حَالَةِ كَنَائِسِ أَفَسُس وسمِيرنَا وبَرغَامُس وثِيَاتِيرَا

في الأصحاح الأَوَّل وَصَفَ يوحنا أحداث "ما كان"، والآن نراه يشرح أحداث ما "هو كائن"، أي عصر الكنيسة من يوم صعود المَسِيح إلى السَّمَاء حتى يوم إختطاف الكنيسة. تاريخ المَسِيحيّة يَمُرّ في سبع مراحل أو كنائس وهي:

١- كنيسة أَفَسُس: من ٢٩ – ∙∙۱ ميلاديًا

٢- كنيسة سميرنا: من ∙∙۱ – ٣١٣ ميلاديًا 

٣- كنيسة برغامس: من ٣١٣ – ∙∙٥ ميلاديًا 

٤- كنيسة ثياتيرا: من ∙∙٥ – ١٥١٧ ميلاديًا 

٥- كنيسة ساردس: من ١٥١٧ – ١٦٤٨ ميلاديًا 

٦- كنيسة فيلادلفيا: من ١٦٤٨ – ۱۹٤٥ ميلاديًا 

٧- كنيسة لاودكية: من سنة ۱۹٤٥ إلى وقتنا الحاضر

كلّ واحدة من هذه الكنائس هي: أولاً، نموذجيّة أي تصور الوضع الروحي للكنائس في ذلك الزمان. وثانيًا، مجموع الكنائس السبع المتتالية تُكَوِّن عهد كنيسة المَسِيح –عهد النعمة – العهد الجديد. 

نرى في كلّ من هذه الكنائس السبع أنَّ يسوع المَسِيح هو المُمسك بزمام الأمور؛ فهو الماشي في وسط كلّ كنيسة، وهو يفحص كلّ كنيسة هل هي تقوم بواجباتها على أكمل وجه تجاهه، أم لا. هو يوجه كلّ كنيسة بالإتجاه الحق؛ كما أنّه يوبخ كلّ كنيسة كي تُقوِّم سبيلها. ثم يعد بالمكافأة التي تنتظر الكنيسة إذا كانت مطيعة لصوته. 

ارتباط يسوع بكنيسته فيه دروس روحيّة جمَّة عن العلاقة في يومنا هذا بين الرَّبّ يسوع المَسِيح وبين كنيسته. من هذه الدروس هي علاقة المؤمن مع شخص الرَّبّ يسوع ومع الكِتَاب المُقَدَّس. التركيز هو على علاقة حقيقية وحيَّة ومباشرة مع: (١) إسم يسوع، و(٢) كلمة يسوع أي الكِتَاب المُقَدَّس.

نستمتع في هذين الأصحاحين الثاني والثالث بزخم روحي أصيل وجميل جدًا. لهذا السبب نحاول دائمًا أن ندرس سفر رُؤيا يوحنا اللاهوتي مرارًا وتكرارًا لنأخذ منه دروسًا روحيّة حيّة لحياتنا المَسِيحيّة اليوم. إضافة لهذه البركات نحصل على طوبى البركات الخاصة الموعودة لكلّ من يدرس هذا السفر: "طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ، وَيَحْفَظُونَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا، لأَنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ" (رُؤيا ۱: ۳). دعونا نبدأ في التأمُلّ:

(١) "اكتب إلى ملاك كنيسة أَفَسُس. هذا يقوله الممسك السبعة الكواكب في يمينه الماشي وسط السبع المناير الذهبية."

هذا الكلام الأَوَّل هو مُوجَّه إلى كنيسة "أَفَسُس "التي قلنا إنَّها تعني "مرغوبة". كما قلنا إنّها تغطي الفترة الزمنيّة الواقعة من سنة ٢٩– ∙∙۱  ميلاديًا؛ أي من يوم ارتفاع الرَّبّ يسوع المَسِيح إلى السَّماء، حتى وفاة يوحنا الحبيب الذي كان أطول الرسل عمراً وآخر رسول حيّ بين رسل المَسِيح الاثني عشر. 

جدير بالقول إن كلّ كنيسة من هذه الكنائس وكلّ من رعاتها هم مثل الذهب في عيني راعي الخراف العظيم الرَّبّ يسوع المَسِيح. رغم كلّ التقصيرات والضعفات والأخطاء والعيوب، فإنّ الرَّبّ يسوع لا يرى فينا عيبًا ما؛ بل نحن مثل الذهب النقي في عينيه كما نرى يسوع يغازل كنيسته قائلاً: "كُلُّكِ جَمِيلٌ يَا حَبِيبَتِي لَيْسَ فِيكِ عَيْبَةٌ" (نشيد الأنشاد ٤: ٧). يسوع يدافع عننا: "۹فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ، طُرِحَ إلى الأرض، وَطُرِحَتْ مَعَهُ مَلاَئِكَتُهُ. ∙۱وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا قَائِلاً فِي السَّمَاء: الآن صَارَ خَلاَصُ إِلهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ، لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا، الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلاً" (رُؤيا ۱۲: ۹-١٠). 

أهم نقطة نقولها في هذا المجال هي أنَّ كلّ هذا الكلام هو موجّه إلى كنائس مسيحيّة حقيقيّة مؤمنة متجدّدة مولودة روحياً في ارتباط وثيق في علاقة شخصيّة مع الرَّبّ يسوع المَسِيح. الكنيسة المَسِيحيّة الاسميَّة الطقسيّة أي التي تتَّبع شفاعة وعبادة مريم العذراء والقديسين، هي كنيسة زَانِيَةَ عن الرَّبّ يسوع، وليست في إطار وصف الأصحاحين الثاني والثالث هنا من سفر يوحنا الحبيب. 

(٢) "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك وأنك لا تقدر أن تحتمل الأَشرَار وقد جرَّبتَ القائلين إنهم رسل وليسوا رُسُلاً فوجدتهم كاذبين."

لاحظ هذه الأقوال التي يرددها الرَّبّ يسوع إلى كلّ واحدة من الكنائس السبع:

    (i) "أنا عارف أعمالك" 

    (ii) "من يغلب" 

   (iii) "من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" 

في كلّ مرة ينصح كلّ كنيسة بنصيحة معيَّنة بحسب حاجتها الروحيّة. بما أنَّ يسوع هو الفاحص القلوب والكِلى فهو يعرف حقيقة مشكلة كلّ كنيسة. هو الماسك كلّ كنيسة بيده و"عيناه كلهيب نار" فاحصتين الداخل والدوافع. هو أيضًا الطبيب الشافي لجميع الأمراض الروحيّة وعنده السلطان والجبروت والقوة لذلك "هو" القادر أن يُغَيِّر.

تأسست كنيسة أَفَسُس على يد بولس وأبلوس الرسولَين وعلى يد أكيلا وبريسكلا في (أعمال ١٨: ١٨ - ١٩: ٧). كانت هذه الكنيسة مشهورة جدًا في آسيا إذ كانت قد عرفت نشاطًا روحيًّا مباركًا ونموًّا وازدهارًا مسيحياً قوياً في زمن تواجد بولس فيها: "مُدَّةَ سَنَتَيْنِ، حَتَّى سَمِعَ كَلِمَةَ الرَّبّ يَسُوعَ جَمِيعُ السَّاكِنِينَ فِي أَسِيَّا، مِنْ يَهُودٍ وَيُونَانِيِّينَ. ۱۱وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ" (أعمال ١٩: ١٠-١١). أدّى هذا الإفتقاد الإلَهِيّ إلى إندثار وإطاحة عبادة ديانا، أرطاميس الأفسيسين.

لاحظ أنَّه لأن بولس الذي أسَّس هذه الكنيسة بقيَ هو المسؤول الروحي الأَوَّل عنها مع أنه كان قد وضع فيها قسوسًا عندما غادرها: "مِنْ مِيلِيتُسَ أَرْسَلَ إلى أَفَسُس وَاسْتَدْعَى قُسُوسَ الْكَنِيسَةِ" (أعمال ٢٠: ۱۷). 

خدم تيموثاوس في كنيسة أَفَسُس بناء على وصية من بولس: "كَمَا طَلَبْتُ إِلَيْكَ أَنْ تَمْكُثَ فِي أَفَسُس، إِذْ كُنْتُ أَنَا ذَاهِبًا إلى مَكِدُونِيَّةَ، لِكَيْ تُوصِيَ قَوْمًا أَنْ لاَ يُعَلِّمُوا تَعْلِيمًا آخَرَ" (١ تيموثاوس ١: ٣). ثم أصبح يوحنا الحبيب راعي هذه الكنيسة فبقيت ناهضة روحيًّا وأنتجت أبطالاً روحيين عظماء في عالم المسيحية منهم تروفيمس الأَفَسُسي: "رَأَوْا مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ تُرُوفِيمُسَ الأَفَسُسِيَّ" (أعمال ۲۱: ۲۹). 

كان يسوع يعرف حال كنبسة أفسس جيِّدًا كما نستشف من تشخيصه لوضعها الروحي فهو: "كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا" (عبرانيين ٤: ۱۳)؛ فقال له: 

(٣) "وقد احتملت ولك صبر وتعبت من أجل اسمي ولم تكلّ" 

كانت كنيسة أَفَسُس مميّزة بالتالي:

     (i) عقائد مسيحيّة سليمة 

    (ii) اجتهاد روحي 

   (iii) طول بال وأناة، أي صبر 

   (iv) خدمة بدون كلل ولا تعب 

   (v) رفض للشر 

  (vi) عدم تحمل الأَشرَار 

  (vii) روح تمييز 

 (viii) إمتحان الدخلاء على الكنيسة لإكتشاف حقيقتهم 

 ((ix السير على درب الرَّبّ يسوع في حياة التكريس. مهمّ جدًا أن يكون عندنا مثابرة في حياة الإجتهاد الروحي. "إحمل صليبك" تعني تضحية؛ و"كل يوم" تعني مثابرة واستمرارية في حمل الصليب كلّ يوم، وأن لا نكلّ. للأسف، كثيرون يكلّون ويخورون في الطريق ويخرجون من السباق: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا" (١ كورنثوس ٩: ٢٤). الأسوأ من ذلك هم أمثال: "دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ وَذَهَبَ إِلَى تَسَالُونِيكِي" (۲ تيموثاوس ٤: ·۱). أو أمثال:  "كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا، وَالآن أَذْكُرُهُمْ أَيْضًا بَاكِيًا، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ المَسِيح " (فيلبي ۳: ۱۸).

(٤) "لكن عندي عليك أنَّكَ تركتَ محبتك الأولى"

كلمة أَفَسُس تعني "مرغوبة" و"محبوبة" وهذا ما يرغبه يسوع من كنيستنا اليوم: نعمل ونتعب ونصبر ونحب يسوع. كلّ هذه الصفات تنبع من القلب. رسالة بولس الرسول إلى أهل أَفَسُس تكشف عُظم محبة كنيسة أَفَسُس ليسوع. فيها "محبة" مذكورة ۱٤ مرة (۷ مرات مضاعفة). كذلك يُركِّز بولس على هذه النقطة بخصوص كنيسة أَفَسُس: "كما طَلَبْتُ إِلَيْكَ أَنْ تَمْكُثَ فِي أَفَسُس... أمّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فهي الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ وَضَمِيرٍ صَالِحٍ وَإيمان بِلاَ رِيَاءٍ" (۱ تيموثاوس ۱: ۳-٥).

لكن مع الأسف دخلت برودة طفيفة في قلب كنيسة أَفَسُس فَخَفَتَت قليلاً محبتها ليسوع. هذه مشكلة روحيّة أساسيّة ويشير إليها الرَّبّ يسوع وينصح الكنيسة بمعالجتها. هكذا الحال مع كثيرٍ من المؤمنين اليوم إذ يبدأُون باجتهاد روحيّ عظيم ولكن بعد فترة تخمد محبتهم للرب وتخور؛ إذ يدخل الشيطان ويبدأ يخرب عن طريق حياتهم الروحية عن طريق: "شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ" (۱ يوحنا ۲: ۱٦). نجد هنا درسًا نتعظ به ويفيد حياتنا الروحية، ألا وهو أن نضع يسوع أولاً في حياتنا ونعطيه الاولوية في كل يوم من أيام حياتنا. هكذا تبقى شعلة محبتنا الاولى ليسوع مشتعلة.

(٥) "فاذكر من أين سقطت وتُب واعمل الأعمال الأولى وإلا فإني آتيك سريعًا عن قريب وأزحزح منارتك من مكانها إن لم تتُب."

الرَّبّ يسوع دائمًا عنده الحل لمشاكلك، وهو على ثلاث مراحل وهي: 

    ١- تتذكر 

    ٢- تُتوب 

    ٣- تعمل 

على كلّ كنيسة، أو فرد، أن تتذكر اليوم أو الظروف التي أبعدتك عن محبتها الصافية والنقية الصادقة للرب يسوع. "التذكُّر" ليس أمرًا صعبًا، وهو يحل ثلاثة أرباع المشكلة. ما على الكنيسة حينئذٍ إلّا أن تأخذ قرارًا سريعًا بالفكر والقلب في العودة إلى المحبة الأولى للرب يسوع الذي هو غيور على وضعنا الروحي، يطالبنا بمحبة مطلقة لكي ننتعش روحيًا. هو الطبيب الشافي ويعطينا في هذا العدد الوصفة الناجعة لِدَائِنَا الروحي: "إعمل الأعمال الأولى" التي منها: 

 (i) ارجع إلى حياة قراءة الكِتَاب المُقَدَّس اليوميّة 

(ii) ارجع إلى حياة الصلاة الحارة 

(iii) ارجع إلى حياة الصوم 

(iv) ارجع إلى محبة الإخوة – أبسط طريقة لتولِّد عندك محبة للإخوة هي في أن تصلّي من أجل كلّ واحد منهم بإسمه 

(v) ارجع إلى حياة الشهادة لنعمة المَسِيح يسوع في حياتك. خَبِّرْ عن اختبارات يسوع في حياتك وعلِّ اسمه فينجذب الناس إليه: "وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأرض أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ" (يوحنا ۱۲: ۳۲). 

قال يسوع سابقًا على فم إرمياء النبي: "هكَذَا قَال الرَّبّ (يسوع): قفوا علَى الطرُق وانظرُوا، واسألوا عن السبل القديمة: أَينَ هو الطريق الصالح؟ وسيروا فيه، فتجدوا راحة لنفوسكم. ولكنَهم قالوا: لاَ نَسير فيه!" (إرمياء ٦: ۱٦). قفوا، انظروا، اسألوا، سيروا، فتجدوا! تجدون الراحة الروحيّة. امشِ في طريق الرَّبّ واجعل قلبك يعبد الرَّبّ يسوع. ليس قلبك فقط بل نفسك وفكرك وقوتك فتكون أنت الرابح. 

الوصيّتان الأولى والثانية خلاصة الكِتَاب المقدّس هما: "تُحِبُّ الرَّبّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأولى. ۳۱وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ هَاتَيْنِ" (مرقس۱۲: ∙۳-۳۱). مخيف هو تهديد الرَّبّ يسوع، الذي هو أنه سيزحزح منارتك كما زحزح كنيسة أَفَسُس التي استمرت حوالى خمسة قرون. اليوم إن ذهبتَ إلى تركيا لرؤية هذه الكنيسة، فإنك ستجد حطام حفريات فقط. الرَّبّ يسوع يغار على اسمه وعلى كنيسته وعلى أولاده. كن أمينًا لكي لا تتزعزع منارتك. كم نجد من المؤمنين في العالم اليوم متزعزعين في كيانهم لأنَّهم لم يحافظوا على محبتهم الأولى للرب يسوع. 

(٦) "ولكن عِندكَ هذا أنك تُبغض أعمال النقولاويين التي أبغضها أنا أيضًا."

كلمة "نقولا" تعني "إنتصار الشعب"، أو "المنتصر في الناس"، أو "محبوبًا من قِبَلِ الجميع". كما الرَّبّ يسوع كذلك كانت كنيسة أَفَسُس تبغض هذه النُّواة من التعليم التي تُرَكِّزُ على إرادة الشعب فوق كلمة الله التي ابتدأت تنزرع في الكنيسة الأولى واكتمل نموها في الكنيسة السابعة، لاودكية اليوم؛ حتى سيطرت عليها. محور هذه التعاليم النقولاويين هو أنهم كانوا يؤمنون بضرورة وجود طبقية في الكنيسة. هذه الطبقية هي مبنيّة على أكثرية رأي أعضاء الكنيسة بغض النظر عن المستوى الروحي. الكنيسة بحسب الكِتَاب المُقَدَّس يجب أن تديرها مجموعة روحيّة مشهود لها بالقول والفعل؛ تحت ثيوقراطية المَسِيح أي تحت حكم المسيح يسوع. كلمة ثيوقراطية تأتي من الكلمة اليونانية ثيوس Theos وتعني ألله وتشير الى حكم الله. هذا ما مارسته كنيسة أَفَسُس ونالت المديح من المَسِيح لأنَّه يبغض أن يتسلط المؤمنون الجسديون في الكنيسة. 

(٧) "من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله."

- من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس - رغم مدح الرَّبّ لكنيسة أَفَسُس بخصوص موضوع النقولاويين، إلا أنّه يطلب منهم حرارة قلبيّة للمحبّة الأولى ويقول لهم من له أذن فليسمع، لأن ليس الجميع يسمعون ما يقوله الروح القدس بل هُناكَ الكثيرون من الذين يسمعون ويُطنِّشون.

- من يَغلِب فسأُعطِيهِ أن يأكُلَ مِن شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله - لم يأكل آدَم وحَوَّاء من شجرة الحياة بل طُرِدا من الفردوس كله بعد السقوط في الخطيَّة: "فَطَرَدَ الإنسان، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ" (تكوين ٣: ٢٤). لكن إذا كنت أنت أمينًا إلى النهاية للرب يسوع، أي إذا كنتَ تَغلِبُ فستَرتَقِي لِمُتابَعَةِ الصَّداقة الأولى مع الرَّبّ يسوع في جنة عدن فردوس الله وتأكل من شجرة الحياة "طُوبَى لِلَّذِينَ يَصْنَعُونَ وَصَايَاهُ لِكَيْ يَكُونَ سُلْطَانُهُمْ عَلَى شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، وَيَدْخُلُوا مِنَ الأَبْوَابِ إلى الْمَدِينَةِ" (رُؤيا ۲۲: ۱٤).

هذه وعود بامتيازات مباركة في انتظار كلّ من يغلب. بالحقيقة: "آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا" (رومية ۸: ۱۸). 

(٨) "واكتب إلى ملاك كنيسة سميرنا. هذا يقوله الأَوَّل والآخر الذي كان ميتًا فعاش."

سميرنا تعني "ضيق مُرّ" وتغطي الفترة الزمنية من ∙∙۱- ٣١٣ ميلاديًا من وفاة يوحنا الحبيب إلى إعتناق الأَمبَراطُور الروماني قسطنطين الديانة المَسِيحية.
كانت سميرنا مدينة جميلة وغنية وراقية، وما زالت موجودة حتى هذه الأَيَّام تحت إسم "إزمير" في تركيا، وفيها مئتا ألف نسمة ثلثهم من المَسِيحيين الأرمن. كانت تبعد حوالى ٥٥ كلم شمالاً عن أَفَسُس وكان سكانها من الرومان واليونان واليهود، وأغلبهم أشرار. كان اليهود فيها من ألد أعداء المَسِيحيين في القرن الأَوَّل. هذه الكنيسة عانت من أقسى إضطهاد في تاريخ الكنيسة المَسِيحية من قِبَلْ اليهود واليونان وخاصة الرومان. 

هنا العدد هو بمثابة تعزية لكنيسة سميرنا في أنَّ يسوع "كائن" إلى الأَبَد وهو "يَسُوعُ المَسِيح هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإلى الأَبَد" (عبرانيين ۱۳: ۸)، وهو "الحي وكنت ميتًا وها أنا حيّ إلى أَبَد الآبِدِين آمين ولي مفاتيح الهاوية والموت" (رُؤيا ١: ١٨)؛ وفي النهاية ستنتصر وتغلب كنيسة سميرنا كما غلب الرب يسوع المسيح. 

(٩) "أنا أعرف أعمالك وضيقتك وفقرك. مع أنّك غني. وتجديف القائلين إنَّهم يهود وليسوا يهودًا بل هم مجمع الشيطان." 

كانت كنيسة سميرنا تعاني الأَمَرَّين: إضطهاد خارجيّ أرضيّ جسديّ؛ وداخليّ روحيّ من مسيحيون يدّعون أنَّهم إخوة متجددون مؤمنون بالرب يسوع بينما هم بالحقيقة بنو الظلمة. عنهم كان قد كتب يوحنا الحبيب سابقاً: "مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا" (۱ يوحنا ۲: ۱۹). لكن سميرنا بقيت كنيسة أمينة غنيّة روحيًا للرب يسوع. 

(١٠) "لا تخف البتة مما أنت عتيد أن تتألم به. هوذا إبليس مزمع أن يُلقي بعضًا منكم في السجن لكي تُجرَّبُوا ويكون لكم ضيقٌ عشرة أَيَّام. كُن أمينًا إلى الموت فسأُعطيك إكليل الحياة." 

- لا تخف البتة مما أنت عتيد أن تتألَّمَ به - يبدو أنَّ عنصر الخوف من الموت كان قد دخل قلوب أعضاء الكنيسة والرَّبّ يسوع يشجعهم على الأمانة.

- هوذا إبليس مُزمِعٌ أن يُلقي بعضًا منكم في السجن لكي تُجَرَّبُوا ويكون لكم ضيق عشرة أَيَّام - كلّ إضطهاد مصدره إبليس عدو النفوس. هذا ما حدث تاريخيًا حتى من  أَيَّام كنيسة أَفَسُس: بولس وبطرس استُشهدا على يد نيرون أمبراطور روما. كذلك غَايُوسَ وَأَرِسْتَرْخُسَ الْمَكِدُونِيَّيْنِ، رَفِيقَيْ بُولُسَ فِي السَّفَرِ وفي الاسر؛ وأراستس خازن مدينة كورنثوس وآخرون كثيرون من أبطال الايمان المسيحي إستشهدوا على يد نيرون. كذلك حنانيا الذي عمَّد شاول الطرسوسي، الذي صار بولس الرسول، قام بزيارة لروما وهُناكَ ذهب شهيداً للرب يسوع على يد نيرون. على هذا المنوال، استمرَّ عشرة أباطرة رومان في إضطهاد اسم المَسِيح. كانوا سفَّاحِينَ بِشَكلٍ رهيب في اضطهاد كنيسة المَسِيح. إغناطيوس راعي كنيسة أنطاكية نقله الأَمبَراطُور تراجان الى روما اغرض إطعامه للأسود؛ وبطولة إغناطيوس كانت أنه عندما أدرك أنه سيستشهد على فم الأسود كتب رسالة إلى المؤمنين في روما متوسلاً أن لا يتدخَّلُوا في طلب عفو لأجله بسبب عمره، لأنه كان في الثمانينيات من عمره؛ وكان حلمه أن يموتَ شهيدًا للرب يسوع! هذا مستوى عالٍ من الإيمان والجرأة والمحبة للرب يسوع رب المجد، الذي ذاق الصليب والموت لأجلنا وعاش لنحيا اُمَنَاءَ له. 

بعد ذلك وفي يوم واحد استُشهد عشرة آلاف مسيحي بالصلب مع وضع أكاليل من شوك على رؤوسهم، وكلّ واحد منهم طُعِنَ بحربة تشبيهًا للمسيح؛ وبينما هم يُصلَبُون، كان هؤلاء المَسِيحيون يُرنِّمُونَ بأعلى أصواتهم. أيضًا كثيرون منهم أُشعِلُوا بالشَّحمِ والنَّارِ وهُم يُرَتِّلُون! بينما كان العسكريون الرومان يُنفِّذُونَ هذه الأحكام بهم، صرخ قائد منهم قائلاً: "عظيم هو إله هؤلاء الأشخاص"! هذه أحلى شهادة لأطيب مخلِّص: يسوع!

- كُن أمينًا إلى الموت فسأُعطيك إكليل الحياة - والرَّبّ يسوع هنا يحثهم ويشجعهم على الأمانة حتى الموت، والنتيجة ستكون إكليلاً لا يفنى يحصل عليه كلّ من له الامتياز أن تحسبَهُ السَّمَاء أهلاً لأن يكون شهيدًا للرب يسوع. بمفهوم سماوي فإنّه امتياز عظيم أن يسمح الرَّبّ يسوع لأي إنسان أن يتألم او ان يكون شهيدًا له ويحصل على إكليل إلى الأَبَد لقاء أمانته واستشهاده في سبيل اسم الرَّبّ يسوع؛ تمامًا كما كان موقف بطرس ويوحنا اللذين: "ذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ" (أعمال ٥: ٤١).

(١١) "من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني."

الذي يموت الموت الأَوَّل وهو مُلك الرَّبّ يسوع فلن يرى الموت الروحي الذي هو الموت الثاني للأشرار: "وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي" (رُؤيا ۲۱: ۸). توجيه الرَّبّ هو معزٍّ جدًا لهذه الكنيسة، فهو مات من أجلنا ولكنه الآن حيّ. كذلك بالنسبة إلى أعضاء كنيسة سميرنا الذين استُشهدوا لأجل اسم يسوع لن يموتوا بعد، بل سيحيون معه إلى الأَبَد في الأمجاد السماوية. يُعلِّمنا الكِتَاب المُقَدَّس أنَّ الإستشهاد عمل بطولي بنظر السَّمَاء: "وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت" (رُؤيا ١٢:١١).

لماذا تالم المسيح ولماذا سُفِك دمُهُ؟ لماذا يسمح الرَّبّ للمؤمن أن يتعذب وحتى يستشهد؟ لماذا إزدهر الدين المَسِيحي بدم شهداء يسوع؟ لماذا ترتوي خدمة الرب يسوع بالدم؟ لان الدم يولِّد حياة روحية لان: 

 (i) أولاً "اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ" (حزقيال ۱۸: ٤) 

(ii) وثانيًا "نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، ... يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ"؛ "الدَّمَ هُوَ النَّفْسُ" (لاويين ۱۷: ۱۱؛ تثنية ۱۲: ۲۳) 

(iii) ثالثًا "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عبرانيين ۹: ۲۲) 

بما أنَّ الدم يولِّد حياة روحية فلذلك عندما تجدَّد بولس الرسول قال له الرَّبّ يسوع: "سأريه كم ينبغي أن يتألَّم من أجل اسمي". توجد حاجة ماسَّة الى أن نتألم من أجل اسم الرَّبّ يسوع، فالحياة المَسِيحيّة هي حياة مُجَاهَدَة رُوحِيَّة في قراءة الكِتَاب المُقَدَّس وصوم وصلاة وتبشير وأخذ موقف للرب يسوع وتحمُّل إضطهاد، وفي النهاية إستشهادٌ ورَيُّ الخدمة بالدمّْ. سفك دَّمّ شهداء يسوع المسيح لكي تخلص النفوس! 

المهم هو ان الرَّبّ يسوع معنا إلى النهاية وهو يقول لنا: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّام إلى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (متّى ۲۸: ∙۲). الدين المَسِيحي تأسس على دم يسوع المَسِيح، وازدهر على دم شهداء يسوع الأبطال، وكل مؤمن ينهي حياته شهيدًا للرب يسوع، فهذا امتياز سمَاوي أبدي له لانه يشارك بطريقة حيوية في خلاص البشر والارض كلها؛ وفي الابدية له مكافأة عظيمة في السماء.  

(١٢) "واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في برغامس. هذا يقوله الذي له السيف الماضي ذو الحدين." 

برغامس تعني تزاوج وتغطي الفترة الزمنية من ٣١٣ – ∙∙٥ ميلاديًا، من إعتناق الأَمبَراطُور الروماني قسطنطين للديانة المَسِيحيّة إلى دخول العصور الوسطى.
كانت برغامس مدينة صغيرة تقع حوالى مئتي كلم شمالي أَفَسُس، ومئة وخمسين كلم شمالي سميرنا. كان شعبها مثقفًا وكانت توجد فيها جامعة.

روحيًا، ونتيجة الاضطهاد الذي عرفه عصر كنيسة سميرنا، عرفت كنيسة "برغامس" إزدهارًا مسيحيًّا واسعًا خاصة بعد إعتناق الملك قسطنطين الديانة المَسِيحيّة حوالى سنة ٣١٥ ميلاديًا؛ مُنهيًا بذلك زمن الاضطهاد الروماني.
تتزاوج الآن الكنيسة من العالم فيُذَكِّرُها الرَّبّ يسوع بالنقاوة ويطالبها بها على أساس الكِتَاب المُقَدَّس الذي هو السيف الماضي ذو الحدين الذي يخرج من فمه. 

(١٣) "أنا عارف أعمالك وأين تسكن حيث كرسي الشيطان وأنت مُتَمَسِّكٌ باسمي ولم تنكر إيماني حتى في الأَيَّام التي كان فيها أنتيباس شهيدي الأمين الذي قُتِلَ عندكم حيث الشيطان يسكن."

رأينا كيف أنَّ كنيسة أَفَسُس في بدايتها كان عندها محبة أولى، ورأينا كيف أنَّ كنيسة سميرنا تألَّمت الموت من أجل اسم الرَّبّ يسوع، ونرى الآن في عصر كنيسة برغامس أنَّ الكنيسة المَسِيحيّة تزدهر وتملأ العالم. لدى إعتناق الملك قسطنطين الديانة المَسِيحية، تزوَّجَت الدولة الدين، والدين تزوَّجَ الدولة. حينئذٍ معظم الشعوب الأممية التي كانت تحت سيطرة الأَمبَراطُورية الرومانية، أخذت تعتنق الديانة المَسِيحيّة ظاهريًا لمسايرة الملك قسطنطين. هكذا دخلت الديانات الوثنية العالم المَسِيحي الذي إختلط بين مسيحيين حقيقين ومسيحيين إسميين. آنذاك لجأ كهنةُ البعلِ والأصنامِ سرًا، إلى ممارسة طقوسهم الوثنية بإضفاء وجه الديانة المَسِيحيّة علي دياناتهم الوثنية؛ وهذا ما لا نزال نراه في عالم المَسِيحيّة الإسمية اليوم؛ إن كان يالاثواب الدينية أو الاصنام أو الطقوس التي يرددونها باطلاً. هكذا بدأ الفساد الروحيّ يسيطر على الإطار الخارجي للدين المَسِيحي وأصبح معظم العالم شعبًا مسيحيًا بالإسم فقط. هكذا وضع إبليس كرسيه وجلس على عرش الأَمبَراطُورية الرومانية حينئذٍ وعلى عرش العالم المَسِيحي الإسمي اليوم ؛ وحين فشل في محاربة الكنيسة من الخارج لجأ إلى محاربتها من الداخل. تاريخياً أكبر عدد من شهداء المَسِيحيّة، أكثر من أربَعين مليون منهم، استشهدوا في العصور الوسطى على يد الكنيسة المَسِيحيية الطقسية.

بدل أن يحارب كأسد زائر، لجأ إلى المحاربة كحيّة وكشبه ملاك نور: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ" (۱ بطرس ٥: ٨)؛ "التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ، طُرِحَ إلى الأرض، وَطُرِحَتْ مَعَهُ مَلاَئِكَتُهُ" (رُؤيا ۱۲: ۹)؛ "وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إلى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ" (۲ كورنثوس ۱۱: ۱٤). 

كمسيحيين حقيقيين نحن نمارس حياة الانفراز والإعتزال عن العالم، ونرى في كنيسة برغامس تمسكها بإلإيمان الصحيح النقي رغم مقتل أنتيباس الشهيد الأمين الذي معنى إسمه: "ضد الكل". كان أنتيباس شخصًا انعزاليًّا جدًا ومعارضًا للكل حتى المؤمنين الجسديين، تمامًا كما كان بولس الرسول والرَّبّ يسوع المنفرز عن الكلّ ومقدسًا ذاته. كان الرَّبّ يسوع يأكل ويشرب مع الخطاة ليبشرهم ويشفيهم، ولكن لم يكن يتماشى معهم ولا يصادق أحدًا إلا الرسل والمؤمنين المكرَّسين فقط، وهو يعلّمنا في كلمته قائلاً: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ ۱٥وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟" (۲ كورنثوس ٦: ۱٤-۱٥)؛ "أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تُلاَحِظُوا الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الشِّقَاقَاتِ وَالْعَثَرَاتِ، خِلاَفًا لِلتَّعْلِيمِ الَّذِي تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ" (رومية ۱٦: ۱۷)؛"وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ، ۱٥وَلكِنْ لاَ تَحْسِبُوهُ كَعَدُوٍّ، بَلْ أَنْذِرُوهُ كَأَخٍ" (۲ تسالونيكي ۳: ۱٤-۱٥). 

أَمثِلَة عن ذلك هي: إعتزال إبراهيم المؤمن المكرَّس عن لوط المؤمن الجسدي؛ إعتزال بولس المكرَّس عن برنابا المكرَّس بسبب يوحنا مرقس الذي كان مؤمن ضعيف في الصفوف الاملمية في الخدمة الارسالية؛ غضب الرَّبّ على يهوشافاط المؤمن الروحي بسبب شركته مع أخآب التابع لمملكة إسرائيل الجسدية؛ طرد نحميا إبن يهوياداع الكاهن العظيم لأنَّه صاهر سنبلط الحوروني. 

جميع هذه الأمور أصابتهم مثالاً لنا لأن هُناكَ ارتباطًا مباشرًا بين الاعتزال والانفراز وحياة الإثمار. الانفراز والاعتزال هما التقدس بحد ذاته، ويؤديان إلى حياة القداسة التي بدورها تؤدي إلى البركة السماوية والإثمار في ربح النفوس. هذا ما يعلمنا إياه الرَّبّ يسوع، إذ كان منعزلاً عن حياة الشركة مع الخطاة إلا إلى حد ربح نفوسهم، فيقول: "لأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي" (يوحنا ۱۷: ۱۹)؛ "لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عبرانيين ٧: ٢٦)؛ "اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبّ" (۲ كورنثوس ٦: ۱۷). قال إبراهيم للوط: "اعْتَزِلْ عَنِّي" (تكوين ۱۳: ۹)؛ وقال موسى للإسرائيليين: "اعْتَزِلُوا عَنْ خِيَامِ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ الْبُغَاةِ" (عدد ۱٦: ۲٦)؛ وبولس: "لَمَّا كَانَ قَوْمٌ يَتَقَسَّوْنَ وَلاَ يَقْنَعُونَ، شَاتِمِينَ الطَّرِيقَ أَمَامَ الْجُمْهُورِ، اعْتَزَلَ عَنْهُمْ وَأَفْرَزَ التَّلاَمِيذَ" (أعمال ۱۹: ۹). الاعتزال والانفراز أو بالحري التقدُّس يُؤَدِّي إلى قوة وبركة روح الله القدوس لأن المؤمن المَسِيحي حينئذٍ: "يَكُونُ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ، مُقَدَّسًا، نَافِعًا لِلسَّيِّدِ" (۲ تيموثاوس ۲: ۲۱). فهو: "خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً" (۲ تيموثاوس ۱: ۹)؛ "يُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا" (تيطس ۲: ۱٤)؛ "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ" (۱ بطرس ۲: ۹)؛ "اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبّ، ۱٥مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ. لِئَلاَّ يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ انْزِعَاجًا، فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ" (عبرانيين ۱۲: ۱٤-۱٥). 

كلا العالم والمؤمن الجسدي يُنَجِّسَانِ ويُحزِنَانِ الرُّوحَ القدس الساكن في المؤمن المتجدد. علينا أن نجاهد لأجل إسم الرَّبّ ولا نساير العالم الذي من خلاله يدخل الفساد إلى حياتنا وإلى الكنيسة. أنتيباس كان ضِدَّ الكلّ وكان وحيدًا؛ كذلك الأمر مع شعب الرَّبّ المُكرَّس الذي يُحِبُّ يسوع؛ فالكل يرفضه ولكن الرب يسوع يمدحه!

(١٤) "ولكن عندي عليك قليل. أن عندك هُناكَ قومًا متمسكين بتعليم بلعام الذي كان يعلم بالاق أن يلقي معثرةً أمام بني إسرائيل أن يأكلوا ما ذُبح للأوثان ويزنوا".

كان بلعام رجلاً شريرًا جدًا إذ كان عرَّافًا محبًا للمال دون محبة الله، مستخدمًا الدِّين وعالم الأرواح والعِرافة المُحَرَّمَة، للتجارة والكسب المادي: "لاَ يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ، وَلاَ مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً، وَلاَ عَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ، ۱۱وَلاَ مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً، وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ جَانًّا أَوْ تَابِعَةً، وَلاَ مَنْ يَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى. ۱۲لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. " (تثنية ۱۸: ∙۱-۱۲). 

عَلَّم بلعام بالاق أن يجعل الإسرائيليين يتزوجون من الموآبيات فيتنجسون بهنَّ فيخسرون إنفرازهم وتدب فيهم عبادة الأصنام، فيغضب عليهم الله ويقتلهم. هكذا كانت الحال في كنيسة برغامس التي وُجِد فيها أشخاص يطلبون مسايرة المَسِيحيّة الإسمية. هذا شرٌّ كبير يُحَذِّرُ منه الرَّبُّ يسوع. ممنوع على أولاد الرَّبّ المؤمنين من الزواج من غير مؤمنة، أو مؤمنة من غير مؤمن. هذا ما نراه كَسَبَبٍ لِطوفان نوح حين غضب الله لأن شعبه أخذ يتزوج من بنات الناس: "أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا" (تكوين ٦: ۲). يجلب المؤمن غضب الله عليه عندما يتزوج من فتاة غير مؤمنة بالرَّبّ يسوع ربًا ومخلصًا شخصيًّا لها. 

(١٥) "هكذا عندك أنت أيضًا قوم متمسكون بتعاليم النقولاويين الذي أبغضه." 

الرَّبّ يسوع يكره الطَّبَقِيَّة في الكنيسة، التي هي تعاليم النقولاويين عن الهرميّة الدينيّة والديموقراطية في كنيسة المؤمنين. هذا أمر مناهض وعكس ثيوقراطية الله. هذه الروح نمت في الكنيسة الحقيقية حتى يومنا هذا. 

زُرِعَ هذا التعليم في كنيسة أَفَسُس وبقي ينمو في كلّ العصور ووصل اليوم إلى أوج مجده في آخر كنيسة، كنيسة لاودكية، كنيسة اليوم. 

(١٦) "فتب وإلا فإني آتيك سريعًا وأحاربهم بسيف فمي."

سلطة يسوع في المحاربة هي كلمة الله سيف الروح، الذي يعلم أن لا هرمية في الكنيسة بل كلنا إخوة، والكنيسة لا تسير بحسب رأي الأكثرية بل بحسب كلمة الله. مثلاً لو صوَّتَت كلّ الكنيسة أن تنتخب إمرأَة قسيسة فهذا شر لأنَّه مخالف لكلمة الله التي تقول إن الراعي يجب أن يكون رجلاً: "فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ أي رجل. ولا واحد من رسل المَسِيح الاثني عشر كان إمرأَة. 

(١٧) "من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فسأعطيه أن يأكل من المن المُخفى وأعطيه حصاةً بيضاء وعلى الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ."

كل من يكون مثل أنتيباس ويغلب لأجل إسم يسوع له بركات ومكافآت روحية. أول مكافأة هي المن السماوي. المن الذي أكله الشعب الإسرائيلي في البرية كان طعمه: "كَرِقَاق بِعَسَل"(خروج ١٦: ٣١)؛ و"قَطَائِفَ بِزَيْتٍ" (عدد ١١: ٨). 

من هذا المن السماوي الذي هو الكتاب المقدس، نتعَلَّم بَعضَ الدُّرُوسِ المُهِمَّة: 

  (i) نتعلم أنَّ الرَّبّ يسوع هو الذي دائما يُؤمِّن إحتِياجَاتنا.

 (ii) نتعلّم إختبار الإتِّكَالَ اليَومِيَّ عَليه.

 (iii) نتَعَلّمْ أهَمِّيَّة الطاعَة له ولوصاياه.

(iv) نتعلم أنَّ في نهاية المطاف الرَّبّ يسوع أمين إلى النهاية، تماماً كما نراه في العهد القديم عندما أدخل الإسرائيليين إلى أرض كنعان رغم كل تقصيراتهم.

(v) نَتَعَلَّمْ التَذوق كم هو طيب يسوع: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبّ! طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ" (مزامير ۳٤: ۸). 

إستخدَمَ الرَّبّ يسوعُ المَنَّ في العهد الجديد، كتبسيطٍ إيضَاحٍيّ للخُبزِ الحَيّ، الذي هُوَ يَسُوعُ المَسِيح نفسه. نصيب المَسِيحي الأمين هو يسوع، أحلى نصيب. أيضًا، عندما نصل إلى السَّمَاء سيحصل المؤمن الأمين على حصاة مكتوب عليها إسم يصف علاقته المميزة مع يسوع. ما أعظم هذا الشرف أن يكون عند كلّ واحد منا نحن المسيحيين الحقيقيين علاقة شخصيّة مميّزة بالرَّبّ يسوع، رب المجد، رب السماء والارض والكون! 

(١٨) "واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ثياتيرا. هذا يقوله ابن الله الذي له عينان كلهيب نار ورجلاه مثل النحاس النقي."

- "واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ثياتيرا - كلمة ثياتيرا تعني مسرح تمثيل وتغطي الفترة الزمنية من ∙∙٥ – ١٥١٧ ميلاديًا من دخول العصور الوسطى إلى إنتفاضة مارتن لوثر، المعترضة على الكنيسة الإسمية. 

ثياتيرا كانت مدينة مزدهرة جدًا في آسيا لأن مؤسسها كان الإسكندر ذو القرنين المقدوني، بعد انتصاره العظيم على الفُرس سنة ۳۳۱ ق. م. كانت مدينة ثياتيرا صغيرة لكن ثرية جدًا، وأرضها خصبة للزراعة. أيضًا كانت مدينة مزدهرة بصباغة الأرجوان كما هو مذكور في (أعمال الرسل ١٦: ١٤) عن ليديا بائعة الاُرجوان.

عصر كنيسة ثياتيرا يمثل الحقبة الرابعة من تاريخ المَسِيحية؛ وكانت حقبة سيئة من التاريخ، من سنة ∙∙٥ حتى ∙∙۱٥ ميلاديًا، التي هي العصور الوسطى. سمِّيت "العصور المظلمة" بسبب الظلمة الروحيّة العميقة التي طغت فيها المَسِيحيّة الإسمية على العالم المَسِيحيّ المؤمن الحقيقي آنذاك. 

لا بدّ أنَّ دور النساء في ثياتيرا كان قويًا بسبب بروز نساء مثل ليديا وإيزابل. دور ليديا كان إيجابيًّا بناءاً في تأسيس كنيسة فيلبي؛ لكن إيزابل كان دورها سلبيًّا هداماً. 

إيزابل لم تكن معروفة شخصيًا في تاريخ كنيسة ثياتيرا؛ لربما كانت زوجة أحد قسوس الكنيسة أو إمرأَة قوية الشخصيّة ظهرت في تلك الكنيسة. ربما لم يكن إسمها الحقيقي إيزابل، بل ربما رمزًا أو تشبيهًا في روحها وفكرها وشرها لإيزابل العهد القديم التي كانت إبنة إثبعل ملك الصيدونيين وزوجة أخآب ملك إسرائيل الرديء؛ وكانت إمرأَة شريرة جدًا متعبِّدة للبعل إلى أبعد الحدود. لربما بسبب ذلك يوجه يسوع إلى ثياتيرا كلاماً أقسى مقارنة بباقي الكنائس. لهذا يرى يوحنا في الرب يسوع أنه دَيَّانٌ صارم وقوي.

- هذا يقوله ابن الله - الديّان لأنَّ "الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ" (يوحنا ٥: ۲۲). 

- الذي له عينان كلهيب نار - عيناه تفحصان وتمتحنان البشر: "٤الرَّبّ فِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. الرَّبّ فِي السَّمَاء كُرْسِيُّهُ. عَيْنَاهُ تَنْظُرَانِ. أَجْفَانُهُ تَمْتَحِنُ بَنِي آدَم. ٥الرَّبّ يَمْتَحِنُ الْصِّدِّيقَ" (مزامير ۱۱: ٤-٥)؛ "لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إيمانكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ المَسِيح" (۱ بطرس ۱: ۷). 

- ورجلاه مثل النحاس النقي - النحاس هو رمز الدينونة في الهيكل: "تَصْنَعُ الْمَذْبَحَ ... وَتُغَشِّيهِ بِنُحَاسٍ" (خروج ۲۷: ۱-۲). يسوع يدين ويُهلِك كلّ من يزني عنه: "مَنْ لِي فِي السَّمَاء؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأرض... تُهْلِكُ كُلَّ مَنْ يَزْنِي عَنْكَ" (مزامير ۷۳: ۲٥-۲۷) نه أأبب. 

(١٩) "أنا عارف أعمالك ومحبتك وخدمتك وإيمانك وصبرك وأن أعمالك الأَخِيرة أكثر من الأولى."

نرى هنا أنه كان لكنيسة ثياتيرا ميزات مسيحيّة شبيهة بصفات كنيسة أَفَسُس في العمل والتعب والصبر والمحبة. 

(∙۲) "لكن عندي عليك قليل أنك تسيِّب المرأة إيزابل التي تقول إنها نبية حتى تُعلم وتُغوي عبيدي أن يزنوا ويأكلوا ما ذُبح للأوثان."

لكن أعضاء كنيسة ثياتيرا كان عندهم خطية كبيرة وهي خطية مسايرة أهل العالم في إحتفالاتهم في عبادة الأصنام والتماثيل والصور. كما رأينا سابقًا في هذا الأصحاح  فإن الرَّبّ يطلب منًا الانفراز والانعزال والقداسة وعدم المسايرة على حساب الرب. 

حاولت إيزابل في أَيَّام أخآب أن تمزُجَ عبادة الأصنام مع عبادة الرَّبّ فقتلت كثيرًا من أنبياء الرَّبّ الأمناء وحاولت جاهدة قتل إيليا التشبي النبي العظيم، ولكنّها فشلت. كانت إيزابل دائمًا رمز الفساد والزنى والفسق الروحي. عارضت بشدة كلمة الرَّبّ التي تأمر بالقداسة عن طريق الانفراز. القداسة تتطلب الانفراز عن، والفصل بين، عبادة الله وعبادة الأصنام؛ ما بين عالم الروح وعالم الجسد؛ وما بين عالم الرَّبّ يسوع المَسِيح وعالم الشيطان. كانت النتيجة أنَّ الرَّبّ دانها وماتت موت الكلاب وأكلت الكلاب لحمها: "إِنَّهُ كَلاَمُ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ عَنْ يَدِ عَبْدِهِ إِيلِيَّا التِّشْبِيِّ قَائِلاً فِي حَقْلِ يَزْرَعِيلَ تَأْكُلُ الْكِلاَبُ لَحْمَ إِيزَابَلَ" (۲ ملوك ۹: ۳٦). 

هكذا ظهر تعليم إيزابل في كنيسة ثياتيرا في المسايرة على حساب الرَّبّ وتوحيد الطوائف. الجدير بالملاحظة هنا هو أنَّ الأوثان ليست هي دائمًا خشب أو حجر أو صورة أو تمثالاً بل هي أي شيء يقف بينك وبين الرَّبّ يسوع. يمكن أن يكون هذا الوثن هو وظيفتك، أو بيتك أو سيارتك؛ الذين يلهونك أو يشغلونك عن عبادة وخدمة الرب يسوع المسيح. 

(٢١) "وأعطيتها زمانًا لكي تتوب عن زناها ولم تتُب."

يا لعظم حلم الرَّبّ يسوع ووداعته. أعطاها فرصة أن تكون نقية ومخلصة له وحده في أن ترجع إليه. لكن ليس أصعب من العناد. عندما تدخل البرودة إلى القلب وتضعف محبة المؤمن ليسوع؛ يصيبه التمرد والعصيان والإصرار على الخطأ. يعلم الرَّبّ بأي إتجاه هي دُفَّةُ قلبك، أمُتَّجهة نحوه مثلما نظر إبراهيم؛ أم تنظر بعيدًا عنه مثلما نظر لوط. يطلب منك الرَّبّ يسوع أن تتوب وترجع إليه. 

(٢٢) "ها أنا أُلقيها في فراشٍ والذين يزنون معها في ضيقةٍ عظيمةٍ إن كانوا لا يتوبون عن أعمالهم." 

في حال عدم التوبة يبدأ قصاص الرَّبّ. حينئذٍ يبدأ الرَّبّ يسوع بالتأديب: "مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ" (١ كورنثوس ١١: ∙۳). 

(٢٣) "وأولادها أقتلهم بالموت فستعرف جميع الكنائس أني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب وسأُعطي كلّ واحد منكم بحسب أعماله"

يحاول الشيطان أن يَغُشَّكَ عن طريق المسايرة وعدم التدقيق بالفروقات. في نهاية الأمر تدمر حياتك الروحيّة وحياة امرأتك وحياة أولادك الروحيّة معك أيضًا: "وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ" (خروج ∙۲: ∙۱)؛" تَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَحْفَظَ جَمِيعَ فَرَائِضِهِ وَوَصَايَاهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا، أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنُ ابْنِكَ" (تثنية ٦: ۲)؛ "لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا، ۳۲وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ" (١ كورنثوس ١١: ٣١-٣٢)؛ "لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلاً مِنَّا، فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟" (۱ بطرس ٤: ۱۷). 

(٢٤) "ولكنني أقول لكم وللباقين في ثياتيرا كلّ الذين ليس لهم هذا التعليم والذين لم يعرفوا أعماق الشيطان كما يقولون إني لا أُلقي عليكم ثقلاً آخر." 

- ولكنني أقول لكم وللباقين في ثياتيرا كلّ الذين ليس لهم هذا التعليم - الرَّبّ يسوع في أَيَّام خدمته على الأرض وفي كلمته، الكِتَاب المُقَدَّس، ينادي دائمًا بحياة الانفراز والإعتزال في العيش له وحده دون سواه: "لأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ" (يوحنا ۱۷: ۱۹)؛ "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ ۱٥وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ ۱٦وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. ۱۷لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، ۱۸وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (٢ كورنثوس ٦: ١٤-١٨)؛ "قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عبرانيين ۷: ۲٦). 

ذكرك لأسماء قدّيسين يُعد زنى روحيًّا، والتلفظ بإسم مريم داعيًا إياها أم الله أو حتى شفيعة هو زنى روحي، ولفظك لاسم أي إله سوى يسوع إبن الله هو شعوذة روحية. كذلك صداقتك لهؤلاء الأشخاص ومشاركتك في طقوس وعوائد عبادتهم هذه، هي حالة من زنى روحي. تدفع ثمن هذه الخطيئة غالياً: "تَكْثُرُ أَوْجَاعُهُمُ الَّذِينَ أَسْرَعُوا وَرَاءَ آخَرَ" ؛ "تُهْلِكُ كُلَّ مَنْ يَزْنِي عَنْكَ" (مزامير ۱٦: ٤؛ ۷۳: ۲۷). أنت وأولادك تنالون قصاص صارم من عند الرَّبّ الرب يسوع كما يقول في العدد  ۲۳ لكنيسة ثياتيرا إنَّ أولادها سيقتلهم بالسيف. 

- والذين لم يعرفوا أعماق الشيطان كما يقولون - ما هو عمق الشيطان؟ عمق الشيطان هو الزنى الروحي وهو مسايرة الأديان والطوائف المزيّفة التي لا حل عندها لمشكلة غفران الخطايا؛ لان لا خلاص بدون دم يسوع. إذا لم تشهد لهم عن خلاص يسوع العجيب فكأنك تلقي بهم في أعماق جهنم الشيطان. 

- إني لا أُلقي عليكم ثقلاً آخر - الرَّبّ يسوع لا يطلب منك الكثير: فقط حياة نقاوة، والشهادة له. 

(٢٥) "وإنما الذي عندكم تمسَّكُوا به إلى أن أجيْء." 

ثابر في حياة القداسة وربح النفوس إلى نهاية حياتك؛ او حتى يرجع الرب يسوع. 

(٢٦) "ومن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية فسأعطيه سلطانًا على الأمم."

يقول الرب يسوع أنه إذا كنت أمينًا كل الايام في حياة الانفراز والقداسة وربح النفوس فستملك مع معه على العالم بأسره. هكذا كان كلام تعزية بولس لتيموثاوس: "لأَجْلِ ذلِكَ أَنَا أَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ، لِكَيْ يَحْصُلُوا هُمْ أَيْضًا عَلَى الْخَلاَصِ الَّذِي فِي المَسِيح يَسُوعَ، مَعَ مَجْدٍ أَبَديٍّ. ۱۱صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: أَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَهُ فَسَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ. ۱۲إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ فَهُوَ أَيْضًا سَيُنْكِرُنَا" (۲ تيموثاوس ٢: ∙۱-١٢). 

(٢٧) "فيرعاهم بقضيب من حديد كما تكسر آنية من خزف كما أُخذت أنا أيضًا من عند أبي."

هذا وعد الآب للابن وهو وعد الابن لنا: "اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأرض مُلْكًا لَكَ. ۹تُحَطِّمُهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ. مِثْلَ إِنَاءِ خَزَّافٍ تُكَسِّرُهُمْ" (مزامير ٢: ٨-۹). نحن سنملك على العالم وسنحكم على الأمم مع المَسِيح في ملكوته. 

(٢٨) "وأعطيه كوكب الصبح." 

من هو كوكب الصبح المنير؟! هو يسوع! "أنا أصل وذرية داود. كوكب الصبح المنير" (رُؤيا ٢٢: ١٦). أعظم هدية هو "يسوع". يسوع أعظم شخص في العالم والتاريخ والأَبَديَّة. يسوع أعظم من الكون كله. هو "مشتهى كلِّ الأمم" (حجي ۲: ۷)؛ "الكنز المخفى" (متّى ۱۳: ٤٤)؛ "اللؤلؤة النفيسة" (متّى ۱۳: ٤٦)؛ هو "ابن الله" (۱ يوحنا ٥: ٥)؛ ونحن سنبقى معه إلى الأَبَد في "عالم بلا نهاية" -  World Without End- (أَفَسُس ۳: ۲۱).

(٢٩) "من له أُذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس."

ولكن ليس الجميع يفهمون هذا؛ لذلك ينادي يسوع بهذا. كلّ شخص عنده أذنان ولكن السؤال هو هل أنت سامع أم مانع أذنيك عن السمع؟ يحاول الرَّبّ أن يحصل على جواب منك هل سوف تعمل بهذه الكلمات أم لا؟ هل ستحيا حياة إنفراز وقداسة ام لا؟ حياة خدمة وربح نفوس؟ هل ستحيا ليسوع الذي: "قَالَ لِلْجَمِيعِ: إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي" (لوقا ۹: ۲۳). كلام الرب ينصحنا: "الْبَسُوا الرَّبّ يَسُوعَ المَسِيح" (رومية ۱۳: ۱٤)؛ كما قال بولس الرسول: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالمَسِيح" (۱كورنثوس ۱۱: ۱)!

  • عدد الزيارات: 353