Skip to main content

الأَصحَاحُ الثَّالِث

وَصفُ حَالَةِ كَنَائِس سَاردِس وفِيلادِلفِيَا وَلاوُدكِيَّة

(١) "واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ساردس. هذا يقوله الذي له سبعة أرواح الله والسبعة الكواكب. أنا عارف أعمالك أنَّ لك اسمًا أنك حيّ وأنت ميت." 

- واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ساردس – كلمة ساردس تعني "البقيةٌ (الامينة) الباقية" وتغطي الفترة الزمنية من ١٥١٧ - ١٦٤٨ ميلاديًا من إنتفاضة مارتن لوثر إلى عصر النهضة وإنتشار الكتاب المقدس وإزدهار العمل الإرسالي. كانت ساردس مدينة مزدهرة في آسيا الصغرى وهمزة وصل بين الشرق والغرب. اليوم هي قرية صغيرة في تركيا وإسمها "سارْتْ". 

- هذا يقوله الذي له سبعة أرواح الله والسبعة الكواكب - ما أمجد هذا الكلام في أنَّ يسوع هو إبن الله فهو همزة الوصل بين الله والإنسان، بين السَّمَاء والأرض. 

- أنا عارف أعمالك أنَّ لك اسمًا أنك حيٌّ وأنت ميت – بسبب كونه همزة الوصل بين الروحي والجسدي فهو لذلك القادر أن يفحص الخفيَّات وهو يرى داخل وحقيقة الكنيسة أنها ظاهريًا حيَّة وناشطة، ولكن قلبها بارد فاقد للمحبة الأولى. 

نرى أحيانًا أعضاء كنيسة نشيطين ظاهريًا وعندهم حماسة روحيّة خارجية، ولكن قلوبهم باردة تجاه محبة الرَّبّ يسوع. علاقتهم هشَّة مع الرَّبّ يسوع القادر على فحص القلوب والكلى ومعرفة دواخل كلّ فرد، مهما كان نشاطه الروحي الظاهر أمام الجميع. إذا لم يكن قلبك مع الرَّبّ فسوف تزول هذه المظاهر الخارجية وتصبح بلا ثمر للرب. إنه يوجد لكلّ شيء أساس وإذا كان الأساس ليس من القلب فسيتلاشى الثمر. كذلك كان الأمر مع كنيسة ساردس. 

(٢) "كُن ساهرًا وشدِّد ما بقي الذي هو عتيدٌ أن يموت لأني لم أجد أعمالَكَ كاملةً أمام الله." 

- كُن ساهرًا - يقول المثل: "من طلب العلى سهر الليالي"! يصدق هذا القول هنا في أنَّ من اراد أن يكون ناجحًا في خدمته وفي حياته الروحيّة عليه أن يعكف على السهر في قراءة الكتاب المقدس والتأمل في كلمة الرَّبّ وصلوات وأَصوام. 

- وشدِّد ما بقي - كن بركة لغيرك وحرِّض الآخرين على المثابرة في التبشير والعيش للرب يسوع. 

- الذي هو عتيد أن يموت - هذه البقية الباقية ستنتهي بإنطفاء شهادتها إذا لم يحصل تغيير إيجابي في بقية الكنيسة في إستفاقة روحيّة. 

- لأني لم أجد أعمالك كاملةً أمام الله - الرَّبّ غير راضٍ؛ وإذا تأدَّبت كنيسة ساردس فإنه يُحَمِّل الراعي أو الرعاة المسؤولية. 

(٣) "فاذكر كيف أخذت وسمعت واحفظ وتُب فإني إن لم تسهر أُقدِمُ عليك كلصٍ ولا تعلم أية ساعة أُقدِمُ عليك." 

على الرَّاعي وعلى الكنيسة أن يعودوا إلى نشاطهم السابق في الأصوام والصلوات والمثابرة في حياة القداسة والأستمرارية في التبشير والكرازة وربح النفوس. يمتحن الرَّبّ يسوع راعي كنيسة ساردس الذي يُشارُ إليه بالكوكب؛ فيرى بعد الامتحان أنَّ فيها أعضاء كأنهم أحياء ولكنهم شبه أموات روحيًا وبحاجة لنهضة روحيّة والتقرُّب من الرَّبّ.

لماذا لا يلتجئ الإنسان المؤمن إلى الرَّبّ يسوع دائمًا؟ لأنَّ عنده فراغًا داخليًّا؛ فالرب يحتل زاوية صغيرة من قلوبهم والباقي يحتله العالم. علينا أن نجاهد مع الرَّبّ لكي يحتلَّ كلّ زاوية من زوايا قلوبنا. يُعَلِّمُنا الرَّبّ يسوع أننا لسنا من العالم مع كوننا في العالم: "أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كَلاَمَكَ، وَالْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ، كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ، ۱٥لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشريرِ. ۱٦لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ" (يوحنا ۱۷: ۱٤-۱٦)!

   أكبر عدو للمؤمن هو العالم. لماذا؟ لأنَّه لا يقدر أن يُحِبَّ الرَّبّ ويحب العالم. يوصينا الروح القدس: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ. ۱٦لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. ۱۷وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إلى الأَبَد" (۱ يوحنا ۲: ۱٥-۱۷). منذ فجر التاريخ إلى اليوم وهذه هي مشكلة الإنسان. هي أول خطية وقعت فيها حَوَّاء عندما رأت أنَّ الشجرة جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ (شهوة الجسد)، وَبَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ (شهوة العيون)، وَشَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ (تعظُّم المعيشة). أكلت منها حَوَّاء وسقطت وسقط آدَم معها، ولا زلنا نعاني إغراءات الجسد وتجاربه نفسها. هُناكَ حرب روحيّة داخلنا وهي حرب روحيّة ضد أهواء الجسد. لحظة الولادة الروحيّة يبدأ الصراع الروحي! يسوع مرَّ في هذه التجارب الثلاث عندما جائه الشيطان في (متى ٤: ۳)؛ ويسوع غلب إبليس في هذه الأوجه الثلاثة: 

    (i) شهوة الجسد: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا"؛ "فَأَجَابَ وَقَالَ مَكْتُوبٌ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ". 

(ii) شهوة العيون: من جناح الهيكل "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إلى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ"؛ "قَالَ لَهُ يَسُوعُ مَكْتُوبٌ أَيْضًا لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ". 

(iii) تَعَظُّم المَعِيشَة: "جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا... أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي": "حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (متّى ٤: ۱-∙۱). 

فقط يسوع وحده غلب إبليس مُنتصِرًا عليه، وهو وحده يقدر أن يعطينا الانتصار لأنَّه يقول: "لأَنَّكُمْ بِدُونِي لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يوحنا ۱٥: ٥)؛ وبولس اختبر ذلك عندما قال: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي المَسِيح الَّذِي يُقَوِّينِي" (فيلبّي ٤: ۱۳). مطلوب مِنَّا حياة إتكال على الرَّبّ يسوع لكي نكون دائمًا منتصرين في السيطرة على الجسد. 

(٤) "عندك أسماءٌ قليلة ٌ في ساردس لم يُنَجِّسُوا ثيابهم، فسيمشون معي في ثياب بيضٍ لأنهم مستحقون." 

نشكر الرَّبّ أنَّ بعض الأعضاء القلائل في كنيسة ساردس كانوا عائشين حياة انفراز وقداسة؛ وكانَ الرَّبّ يسوع مسرورًا بهم جدًا. إن كنا لا نتنجَّس مع أهل العالم، فجزاء لذلك سوف نُلَبَّسُ ثيابًا بيضًا لأنّنا سنرث مع المَسِيح.

الحياة المَسِيحيّة حياة جهاد ومثابرة، حياة فيها استمرارية حتى النهاية. مطلوب من كلّ مؤمن أن يكون عنده نفس طويل للنهاية. مطلوب من الكلّ أن يُجاهِدَ ويجاهد قانونيًا، أي حسب الأصول. الخلاص والصعود إلى السَّمَاء هو على حساب دم يسوع.  أمّا التكريس فَهُوَ الذي يُحَصِّلُ لنا أكاليل وجوائز ومكافآت وكنوز ومُلك مع المَسِيح في الملكوت. هذه كلها هي نصيب: 

(i) الجنود الأمناء: "فَاشْتَرِكْ أَنْتَ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِيَسُوعَ المَسِيح. ٤لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَجَنَّدُ يَرْتَبِكُ بِأَعْمَالِ الْحَيَاةِ لِكَيْ يُرْضِيَ مَنْ جَنَّدَهُ. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُجَاهِدُ لاَ يُكَلَّلُ إِنْ لَمْ يُجَاهِدْ قَانُونِيًّا" (۲ تيموثاوس ۲: ۳-٥). 

(ii) للزَّارعين والحرَّاثِينَ الذين يَتعبون في الزراعة: "هُوَذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ" (مرقس ٤: ۳)؛ "يَجِبُ أَنَّ الْحَرَّاثَ الَّذِي يَتْعَبُ، يَشْتَرِكُ هُوَ أَوَّلاً فِي الأَثْمَارِ" (۲ تيموثاوس ۲: ٦). 

(iii) العدّاء الذي يركض في الميدان ويجاهد ويثابر إلى النهاية: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا. ۲٥وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إكليلاً يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإكليلاً لاَ يَفْنَى" (۱ كورنثوس ۹: ۲٤-۲٥)! 

التَّكلِيلُ هو للذين يركضون، فسنمشي معه في موكب المنتصرين ونملك معه على العالم كله!

هذا نصيبُ كلّ من يتغلَّب على الضعف الروحي ويسهر ويُشدِّد الآخرين ويحيا حياة تقوى وربح نفوس. يحصل ليس فقط على حياة أَبَدية بل على مكافآت عظيمة أمام الله والملائكة وجمهور القديسين في الملكوت كما نقرأ في الكِتَاب المُقَدَّس عندما يقول يسوع: "كُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (متّى ١: ٣٢)؛ و"أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِي قُدَّامَ النَّاسِ، يَعْتَرِفُ بِهِ ابْنُ الإنسان قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ"(لوقا ١٢:٨). يقول بولس لتيموثاوس: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: أَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَهُ فَسَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ. ۱۲إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ فَهُوَ أَيْضًا سَيُنْكِرُنَا. ۱۳إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ" (۲ تيموثاوس ۲: ۱۱-۱۳). 

(٥) "من يغلب فذلك سيلبس ثيابًا بيضًا ولن أمحو اسمه من سفر الحياة وسأعترف باسمه أمام أبي وأمام ملائكته."

هذا عدد صعب التفسير ولكن سأحاول قدر المستطاع. إلهنا إله نظام وترتيب. كلّ إنسان يولد يُرقَّم في بطن الأرض؛ مثلاً آدَم ۱، حَوَّاء ۲، قايين ۳، هابيل ٤، وهكذا دواليك إلى بلايين البشر الذين خلقهم الله إلى هذا اليوم، إذ تقول كلمة الرَّبّ: "لَمْ تَخْتَفِ عَنْكَ عِظَامِي حِينَمَا صُنِعْتُ فِي الْخَفَاءِ، وَرُقِمْتُ فِي أَعْمَاقِ الأرض" (مز ١٣٩: ١٥). لحظة الإخصاب يُخلق إنسان ويُسجَّل في سفر الأحياء. كذلك الإنسان الذي يموت يُمحى إسمه من سفر الأحياء ويدوَّن في سفر الأموات كما قال موسى: "وَالآن إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ. ۳۳فَقَالَ الرَّبّ لِمُوسَى: مَنْ أَخْطَأَ إِلَيَّ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي" (خروج ٣٢: ٣٢-۳۳)؛ ويسجَّل في سفر الأموات. الإنسان الذي يختبر خلاص يسوع المَسِيح يُكتَب اسمه في سفر الحَمَل مع أنه في علم الله مكتوب هناك منذ تأسيس العالم: "فَسَيَسْجُدُ لَهُ (المَسِيح الكَذَّاب) جَمِيعُ السَّاكِنِينَ عَلَى الأرض، الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ الَّذِي ذُبِحَ"؛ "انْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ، وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ"؛ "وَلَنْ يَدْخُلَهَا (أورشليم السماوية) شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا وَكَذِبًا، إِّلاَّ الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ" (رُؤيا ۱۳: ۸؛ ∙۲: ۱۲؛ ٢١: ۲٧). يوجد في السَّمَاء أسفار وكتاب إسمه "سفر الحياة" كما كان يعرف ذلك بولس وبقية المؤمنين: "نَعَمْ أَسْأَلُكَ أَنْتَ أَيْضًا، يَا شَرِيكِي الْمُخْلِصَ- سيلا من أعمال ۱٥: ∙٤؛ و۱٦: ۱۹) - سَاعِدْ هَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَاهَدَتَا مَعِي فِي الإنجِيلِ، مَعَ أَكُلِّيّمَنْدُسَ أَيْضًا وَبَاقِي الْعَامِلِينَ مَعِي، الَّذِينَ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ" (فيلبّي ٤: ۳). 

عندما يفارق الإنسان المسيحي المتجدد الحياة يُمحَى إسمه من سفر الأحياء ويؤكَّد اسمه في سفر الخروف،  أي سفر الحمل، وينتقل من حياة إلى حياة. الإنسان الذي عنده الرَّبّ يسوع في قلبه لا يرى الموت بل ينتقل الى السماء لان خطاياه مغفورة بدم المَسِيح فينتقل من الغياب عن الجسد الى الحضور عند الرَّبّ يسوع في السماء: "نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبّ" (٢ كورنثوس ٥: ٨). هكذا مؤمن لا يرى موتًا بل تصعد روحه إلى مَحضَرِ الرَّبّ يسوع، ولكن جسده يرقد مؤقتًا إلى أن يرجع المَسِيح من أجله. وقتئذٍ يقيم الروح القدس الذي أقام يسوع أجسادنا إلى حياة أَبَدية: "وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ" (رومية ۸: ۱۱)؛ "لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَالأَمْوَاتُ فِي المَسِيح سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ۱۷ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبّ" (١ تسالونيكي ٤: ١٦-١۷). عندما يفارق المؤمن هذه الدنيا، يُثَبِّتْ الرَّبُّ يسوع اسمه في سفر الحمل؛ لكن الإنسان الذي بدون المَسِيح يُمحَى اسمُهُ من سفر الأحياء ويُكتَبُ في سفر الموت الثاني. 

(٦) "من له أُذُنٌ فليَسمَع ما يقوله الروح للكنائس."

"التكرار يُعَلِّمُ الشطَّار". الرَّبّ يسوع يحثُّنا مراراً وتكرراً على القراءة والإصغاء، أي التامل، ثم تطبيق ما قراناه. يسوع هو الذي أعطى يعقوب أن يكتب: "كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ" (يعقوب ١: ٢٢). إذا كُنتَ غير عائش للرب فأنتَ تخدع فقط نفسَك. الرَّبّ عارفٌ وناظر وفاحص، وسيحاسبك مثلما فعل مع إسرائيل في أَيَّام إرمياء النبي الذي الذي حذرهم: "لأَنَّكُمْ قَدْ خَدَعْتُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ أَرْسَلْتُمُونِي إلى الرَّبّ إِلهِكُمْ قَائِلِينَ: صَلِّ لأَجْلِنَا إلى الرَّبّ إِلهِنَا، وَحَسَبَ كُلِّ مَا يَقُولُهُ الرَّبّ إِلهُنَا هكَذَا أَخْبِرْنَا فَنَفْعَلَ" (إرمياء ٤٢: ∙۲). الشعب لم يصغي وكانت النتيجة أنهم خسروا كل شيء. 

(٧) "وأكتب إلى ملاك الكنيسة التي في فيلادلفيا. هذا يقوله القُدُّوسُ الحَقّ، الذي له مفتاح داود، الذي يفتح ولا أحد يُغلِق ويُغلِقُ ولا أحد يفتح." 

- وأكتب إلى ملاك الكنيسة التي في فيلادلفيا - فيلادلفيا تعني الحب الأخوي وتغطي الفترة الزمنية من ١٦٤٨ - ١٩٤٥ ميلاديًا، أي من عصر النهضة وإزدهار العمل الإرسالي إلى اندلاع الثورة الفكرية التي كانت بداية تغيير في القيم الأخلاقيّة والدينيّة والموسيقيّة والاجتماعيّة والديمقراطيّة والسياسيّة.

كانت مدينة فيلادلفيا تقع جنوبي شرقي مدينة ساردس في تركيا، في منطقة مشهورة بالبراكين والزلازل مع أنَّ آخر زلزال لَحِقَ بها كان سنة ١٧ ميلاديًا. لذلك اشتهرت أرضها بمحاصيل القمح؛ فكان من الطبيعي أن يتعبَّدَ سُكَّانُ المنطقة لإله القمح "دايونيسيوس"، الذي يرد ذكره كإسم شخص في الكِتَاب المُقَدَّس "دايونيسيوس الأريوباغي" (أعمال ۱۷: ۳٤)، الذي كان قد أصبح أخًا مسيحياً مؤمنًا بالرب يسوع المسيح.

عندما بدأت الحرب العالمية الأولى كانت مدينة فيلادلفيا قرية صغيرة جدًا وكان فيها آثار باقية من أَيَّام الرومان؛ وكانت يقطنها أقلية قليلة من الروم الأرثوذكس؛ ولكن في أثناء الحرب هاجر هؤلاء إلى اليونان؛ واليوم هي مجرد  رُكَامُ أَثَريَّاتٍ فقط. 

- هذا يقوله القدُّوسُ الحَقُّ - يوجه الرَّبّ يسوع كلامًا جميلاً إلى كنيسة فيلادلفيا كدليل واضح على وضعها الروحيّ، فقد كانت ثابتة مُتمَسِّكة بتعاليمه؛ وكانت قد احتملت الكثير من الضيقات. يُعرِّف الرَّبّ يسوع عن ذاته بأنّه القدُّوس الحق. نراه دائمًا يربط ما بين القداسة والحق فيُرينا أنَّ كنيسة فيلادلفيا كانت تحيا حياة قداسة وبأمانة حقة لله. هُناكَ ارتباطٌ مُبَاشَرٌ ما بين التعليم السَّليم والمَسلَك القويم. فالكنيسة التي تُعلِّم تعليمًا صحيحًا مَسلَكُهَا أيضًا صحيح، والكنيسة التي تُعَلِّمْ تعليمًا غير مُستَقِيم مَسلَكُها أيضًا مُعوَجٌّ. هُناكَ دائمًا ارتباط وثيق ما بين إيديولوجية الإنسان ومَسلَكِهِ، لأنَّ فكر الإنسان يرشده إلى طريقة التصرُّف. 

- الذي له مفتاح داود الذي يفتح ولا أحد يُغلق ويُغلق ولا أحد يفتح - سوف يرجع المَسِيحُ إلى الأرض ويؤسِّسُ ملكوتَهُ، ويَجلسُ على كرسي داود ويملك على كلّ العالم. يسوع عنده مفتاح مملكة داود بيده وله مفاتيح الملكوت؛ مفتاح الحق ومفتاح القداسة ومفاتيح الأبواب السماوية الجميلة جدًا. كلّ مؤمن سيحيا بفرح في فردوس الأَبَديَّة في أورشليم السماوية إلى الأَبَد. الأُمَنَاءُ أمثال كنيسة فيلادلفيا سيملكون مع يسوع!

هذا ما يُعَزِّي المَسِيحيَّ الأمين للرب يسوع: "أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا" (رومية ۸: ۱۸). 

(٨) "أنا عارفٌ أعمالَك. هنذا قد جعلتُ أمامَك بابًا مفتوحًا ولا يستطيع أحد أن يُغلقَهُ، لأن لك قوةً يسيرةً وقد حَفِظتَ كلمتي ولم تُنكِرْ إسمي." 

نحن نعيشُ في وسط عالم مليءٍ بالشر؛ لكن الرَّبّ يحمينا ويبارك كلّ فرد مُتَمَسِّكٍ بإسم يسوع وبكلمته الكتاب المقدس الذي يُلهِبُ مَشاعِرنا ويبعث فينا الدفئ الروحي ويقوي إيماننا: "الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ " (رومية ۱٠: ۱۸)؛ "أَلَيْسَتْ هكَذَا كَلِمَتِي كَنَارٍ، يَقُولُ الرَّبّ، وَكَمِطْرَقَةٍ تُحَطِّمُ الصَّخْرَ؟" (إرمياء ٢٣: ٢٩). الرَّبّ يقول لكنيسة فيلادلفيا إنَّهُ عارفٌ أعمالَها وأنَّ قوَّتها محدودة وضعيفة وضئيلة، ليس مثل كنيسة ساردس التي كان عندها نشاط كبير ولكن الداخل كان باردًا وميتًا.  أمّا كنيسة فيلادلفيا فلم يكن عندها نشاط كبير، ولكن كان عندها محبة وغيرة وقلب يفيض في طلب العيش للرَّبِّ يسوع وبِحَسَبِ كلمَتِه.

بالفعل عرف العالم نهضةً رُوحِيَّةً عَارِمَةً في زمن كنيسة قيلادلفيا. أيضاً زال نير الكنيسة البابوية الذي كسرته نهضة ١٥٠٠. انتهت العُصورُ الوُسطى المُظلِمَة روحياً وبدأ العالمُ يَتنوَّرُ روحياً من جديد، وسادت فيه مبادئ الدين المسيحي الحق وعقائد كِتًابَهُ المُقَدَّس.

يمكنُ أن تكونَ حالَتُكَ كحالةِ كنيسةِ فيلادلفيا نفسها، قُوَّتُكَ ضَعِيفة ولكن أمانتَكَ قويَّةٌ. هذا هو فرق كنيسة فيلادلفيا: تمسُّكُهَا بأمانتها للرب، فأكد لها الرَّبّ بأن هذا الباب سوف يبقى مفتوحًا على مصراعيه ولا أحد يقدر أن يُغلِقَهُ. لذلك عَبرَ ثلاثةِ قُرُونٍ عَرفَ العالمُ عَملاً إرساليًّا لا مثيلَ له؛ ودعم المَسِيحيون بعضُهُم بعضًا ماديًا لأجل التبشيرِ وتوصيلِ رسالةِ الخلاص لكلّ العالم.

بعضُ أبطالِ التبشير في العَملِ الإرسالي هم دايڤد لِڤِنْغْستون الذي ذهب إلى إفريقيا ووِليَمْ كاري المعمداني الشهير "أبو العمل الإرسالي للعصور الحديثة" ذهب إلى الهند وترجم الكِتَاب المُقَدَّس إلى عِدَّةِ لُغاتٍ منها السنسكريتية؛ وغيرهم مثل هادسون تايلور الذي ذهب إلى الصين وتقلَّدَ عاداتِ الشعب ونجح نجاحًا باهرًا هُناكَ. 

(٩) "هأنذا أجعلُ الذين من مَجمَعِ الشَّيطان، من القائلين إنهم يهودٌ وليسوا يهودًا بل يكذبون، هأنذا أُصيِّرهم يأتون ويسجُدُونَ أمامَ رِجلَيكَ، ويعرفون أني أنا أحببتك." 

وهكذا انفتحَ بابُ خلاصِ المَسِيح على العالم كلّه ولم يقدرْ أحدٌ بعد ذلك أن يَصُدَّهُ. عددٌ هائل من النفوس خَلُصَتْ بالإيمان بنعمة المَسِيح يسوع. إضافة إلى ذلك ففي سنة ١٦١١، أمَرَ المَلكُ "جيمس" ملك إنجلترا بجمع أسفار الكِتَاب المُقَدَّس كلها وتوحيدها في كتاب واحد باللغة الانجليزية مترجماً منى النصوص باللغات الاصلية. ولأوَّلِ مَرَّةٍ بعد ١٦۱۱ سنة أصبح بإمكان الكنائس والمؤمنين المَسِيحيين العاديين أن يحصلوا على كتاب مُقَدَّس كامل بأيديهم ويقرؤا لانفسهم رسالَة الإنجيل النقية المُخَلِّصَة لِأرواحهم. هكذا صارت كلمة الله منتشرةً في مختلف أرجاء العالم، وتقهقَرَت الكنيسة المَسِيحيّة الاسميَّة الطقسية البابوية تدريجيًا. فإنها حقيقة تاريخية حيَّة أنّه حيث ينتشر الإنجيل تضعف الكنائس المسيحية الطقسية الإسميّة؛ وتكثر الكنائس المسيحية الانجيلية

(١٠) "لأنك حَفِظتَ كَلِمَةَ صَبرِي أنا أيضًا سأحفظُك من ساعة التجربة العتيدة أن تأتي على العالم كلّه لتُجرب السَّاكِنينَ على الأرض." 

هذه النهضةُ لم تأتِ بدونِ ثَمَنٍ على يد الكنيسة البابوية، حين استشهد أربَعون مليون مسيحي مؤمن عبر القرون الوسطى. هذه الكنيسة مُعرَّفٌ عن هويتها في الكِتَاب المُقَدَّس: "رَأَيْتُ الْمَرْأَةَ سَكْرَى مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ وَمِنْ دَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ" (رُؤيا ۱۷: ٦). 

(١١) "ها أنا آتي سريعًا. تمسَّكْ بما عِندَكَ، لئلا يأخُذَ أحَدٌ إكليلَكَ." 

علينا أن لا نخاف بل نبقى أُمَناءَ في السِّبَاق، ونجتهد أن نكون الأوائل وليس الثَّانِينَ أو الثَّالِثِينَ في خدمة الرَّبّ يسوع. يطالِبُنَا الرَّبّ هنا بِغَيرَةٍ في الاجتهاد في الخدمة.

(١٢) "من يغلب فسأجعله عمودًا في هيكل إلهي ولا يعود يخرج إلى خارجٍ وأكتب عليه اسم إلهي واسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة النازلة من السَّمَاء من عند إلهي واسمي الجديد." 

سنكون أعمدَةً في هيكلِ الرَّبّ، ويسوعُ يبقى أمينًا لا يسمح لنا أن نضيعَ خارجًا، بل يكتبُ اسمه "يسوع" على جباهنا واسم أورشليم الجديدة واسم يسوع الجديد على جباهنا؛ تماماً مثلما: 

 (i) يسوع "لهُ اسمٌ مكتوبٌ ليس أحدٌ يعرفهُ إلا هو" (رُؤيا ١٩: ١٢) 

(ii) أورشليم: "تُسَمَّيْنَ بِاسْمٍ جَدِيدٍ يُعَيِّنُهُ فَمُ الرَّبّ" (إشعياء ٦٢: ٢) 

اسمه المُبَارَك سيكونُ على جِبَاهِنا لكي:

(i) لا نَضِيع 

(ii) لا ننسى أنَّنا مُلكُهُ 

(iii) لكي يكون معروفًا للجميع أنَّنا مُلكُ يسوع 

(iv) أنَّ لنَّا علاقات مميَّزَة مَعَهُ وبركات سماويّة إلى أَبَد الآبِدِين مع ربِّ المَجدِ يسوع إبن الله الحي إلى الأَبَد، إلى ما لا نهاية. آمين!

(١٣) "مَن لَهُ أٌذنٌ فَليَسمَعْ ما يقولُهُ الروح للكنائسِ"

سؤالُ الروح القدس هو: مَنْ له أُذُنٌ لِيَسمَع؟ من هو الأمين:

(i) لكلمة الرَّبّ؟ 

(ii) لإسم الرَّبّ؟

(iii) لبيت الرَّبّ؟

إذا أنت راغب فالروح القدس يريد ان يساعدك: 

(i) على أن تكونَ عندَكَ: 

       (أ) محبة للرب 

      (ب) محبة للإخوة

(ii) على أن تأخذ موقفًا رُوحيًّا

   (iii) على أن تعيش أمينًا ليسوع تماماً مثل كنيسة فيلادلفيا!  

(١٤) "واكتُبْ إلى مَلاكِ كَنيسَةِ اللاودكيين. هذا يقوله الآمين الشاهد الأمين الصادق بداءَةُ خليقة الله." 

- واكتب إلى ملاك كنيسة اللاودكيين - كنيسة لاودكية، التي إسمها يعني حُكم الشعب، تغطي الفترة الزمنية من سنة ۱۹٤٥، من إنتهاء الحرب العالمية الثانية حتى يوم يخطف الرَّبّ يسوع الكنيسة إلى المجد: "فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِير. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ" (۱ كورنثوس ۱٥: ٥۲)؛ "لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَالأَمْوَاتُ فِي المَسِيح سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ۱۷ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبّ" (۱ تسالونيكي ٤: ۱٦-۱۷).

تتميَّزُ كنيسةُ لاودكية، أي كنيسةُ عصرنا اليوم، عن باقي الكنائس بأنَّها لم تَنَلْ أي مَدحٍ مِن يَسوع، بل على العكس نالت منه التأنيب. ذلك لأنَّ تعاليمَ النقولاويين التي كانت قد برزت في كنيسة أَفَسُس، ثم نَمَتْ وكَبُرَت في كنيسة سميرنا وعَبْرَ كُلِّ عصور الكنائس التالية، نضجت وأَينَعَت في كنيسة لاودكية، فجلبَتْ الدَّمَارَ الرُّوحي. 

- هذا يقوله الآمين الشَّاهِدُ الأَمِين الصَّادِق بَداءَةُ خليقة الله - الرَّبّ يسوع المَسِيح هو نَبعُ خَلِيقَةِ الله، هو المَصدَر: "هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. ۱٦فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ... الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ...۱۷الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ" (كولوسي ١: ١٥-١٧)؛ و: "بِيَدِهِ نَفَسُ كُلِّ حَيٍّ وَرُوحُ كُلِّ الْبَشَرِ" (أيوب ۱۲: ۱۰)؛ وهو: "حَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ"، "أَنْتَ يَارَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأرض، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. ۱۱هِيَ تَبِيدُ وَلكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، ۱۲وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى" (عبرانيين ۱: ٣، ۱۰-۱۲). لأجل ذلك هو الأمين من البداية والامين إلى النهاية. لذلك هذا ما يطلبه من كنيسة لاودكية: الأمانة إلى نهاية عصر كنيسة العهد الجديد. 

(١٥) "أنا عارف أعمالَك أنَّكَ لستَ بارِدًا ولا حَارًّا. ليتكَ كُنتَ باردًا أو حارًّا." 

لِلأسف كنيسة لاودكية لا تملك الأمانة ولا الحق. هكذا هم مؤمنو هذه الأَيَّام، ليس عندهم أمانة ولا معرفة صحيحة؛ لا لكلمة الرَّبّ الكِتَاب المُقَدَّس ولا لبيت الرَّبّ الكنيسة المحلية حيث هم يقطنون. نحن نعيش في أَيَّام بالكاد نَجِدُ كنيسة مَحَلِّيَّة أمينة للرب يسوع، أو مدرسة لاهوت نقيَّة في تعاليمها. لم نَعُدْ نَجِدُ حرارةً روحيّة اليوم بل إفلاساً روحيًّا وفتورًا مخيفًا في عالم المَسِيحيّة الحقَّة المؤمنة بنعمة الرَّبّ يسوع.

في الكِتَاب المُقَدَّس توجد ثلاث درجات من الحرارة التي يمكن أن يشعُرَ بها المُؤمِن: 

 (i) حرارة بالروح مثل أبلُّوس الذي وُصِفَ أنَّهُ: "حَارٌّ بِالرُّوحِ" (أعمال ۱۸: ۲٥)، وتلميذا عمواس اللذين كانَ شُعُورُهما: "قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا" (لوقا ۲٤: ۳۲) 

(ii) برودة روحية: "َلِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِين" (متّى ٢٤: ١٢)

(iii) فتور روحي

(١٦) "هكذا لأنك فاتر ولست باردًا ولا حارًا أنا مُزمِعٌ أن أتقيَّأَكَ مِن فَمِي." 

في حالة الحرارة الروحيّة هُناكَ محبّة للرب، وفي حالة البرودة الرُّوحِيَّة هُناكَ محبّة للعالم، والذي يُعَرِّجُ بين الفريقين هو لا حارٌّ ولا بارد فهو فاتر مُحتَارٌ هل يُحِبُّ الرَّبّ أو يحب العالم؛ وكأنَّ الأمر يحتاج إلى تفكير. لهذا السبب يكاد الرَّبّ أن يتقيَّأَهُ من فمِهِ لِأنه يرفض المُراءَآت والتمثيل الرُّوحِيّ عليه.

اليومَ نجد أكثرية أولاد الرَّبّ في حالة فَقرٍ رُوحِيٍّ مُتقِع، فجِيلُ يَومِنَا هذا مَحَبَّتُهُ لِيَسُوع فاترة وفي ضَيَاعٍ وحَيرَةٍ رُوحِيَّةٍ، ما بين محبَّةِ الذَّات ومُسايَرَةِ العالم. محبة الرَّبّ الذي اشترانا بدمه الغالي الثمين وقد أعدَّ لنا مكانًا وهو راجع ليُصعِدَنَا إلى هُناكَ؛ أو محبة عالم الخطية التي حرَّرنا مِنهَا. هذا يذكرنا كيف كان الحَالُ مع الإسرائيليين بعدما حرَّرَهُم من عبودية مصر: "فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: نُقِيمُ رَئِيسًا وَنَرْجعُ إلى مِصْرَ" (عدد ۱٤: ٤). الخيار واضح وسليم والدواء موجود في العودة إلى الكِتَاب المُقَدَّس لنجدد الحرارة الروحيّة كما نتعلَّم من تلميذي عمواس: "أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟" (لوقا ۲٤: ۳۲)؛ فقوَّةُ الإيمان بالرَّبّ يسوع تأتي من قراءة كلمته: "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ" (مزامير ۱۹: ۷)؛ "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي" ؛ "أَلَيْسَتْ هكَذَا كَلِمَتِي كَنَارٍ، يَقُولُ الرَّبُّ" (إرمياء ۱٥: ۱٦؛ ۲۳: ۲۹)؛ و"إِذًا الإيمان بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ" (رومية ۱۰: ۱۷). 

(١٧) "لأنَّكَ تقولُ إنِّي أنا غَنِيٌّ وقد استَغنَيت ولا حاجة لي إلى شيء، ولستَ تعلم أنَّكَ أنتَ الشَّقِيّ والبَئِس وفَقِيرٌ وأَعمَى وعُريَان." 

العالم أصبح مُستوطِنًا داخل كنيسة لاودكية، فصغرت فُسحَةُ المحبة للرب يسوع. أصبحت كنيسة لاودكية على عكس كنيسة فيلادلفيا التي كانت فقيرة ماديًا ولكن غنيَّة روحيًا؛ غنيَّة بمحبتها للرب يسوع فنالت مدحًا كبيرًا منه. هنا كنيسة لاودكية فقيرة روحيًا وغنية ماديًا. هي في حالة مرض روحي والطبيب الأعظم الرَّبّ يسوع يأتي إلى معالجتها وارشادها وتوجيهها؛ وفي أوضح كلام يُشَخِّصُ مَرضَ كنيسة لاودكية. لقد انغَمَسَتْ قلوبُ المُؤمِنين اليوم في محبة العالم، وهم يَظُنُّونَ أنَّهُم على علاقة جيِّدَةٍ جِدًا مع الرَّبّ الفاحص القلوب والكلى. ينظر يسوع إلى الداخل ويرى الفقر والبؤس الداخليّين والعُرِي الرُّوحيّ ومَرَضَ القلب.

في كثير من الاحيان عندما يغنى الإنسان يرفس الرَّبّ. هذا ما يُعلِّمهُ الكِتَاب المُقَدَّس حين نبَّه الرَّبُّ يسوعُ إسرائيلَ في العهد القديم قائلاً: "مَتَى أَكَلْتَ وَشَبِعْتَ تُبَارِكُ الرَّبّ إِلهَكَ لأَجْلِ الأرض الْجَيِّدَةِ الَّتِي أَعْطَاكَ. ۱۱اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَنْسَى الرَّبّ إِلهَكَ وَلاَ تَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَأَحْكَامَهُ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ. ۱۲لِئَلاَّ إِذَا أَكَلْتَ وَشَبِعْتَ وَبَنَيْتَ بُيُوتًا جَيِّدَةً وَسَكَنْتَ، ۱۳وَكَثُرَتْ بَقَرُكَ وَغَنَمُكَ، وَكَثُرَتْ لَكَ الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ، وَكَثُرَ كُلُّ مَا لَكَ، ۱٤يَرْتَفِعُ قَلْبُكَ وَتَنْسَى الرَّبّ إِلهَكَ...۱۷وَلِئَلاَّ تَقُولَ فِي قَلْبِكَ: قُوَّتِي وَقُدْرَةُ يَدِيَ اصْطَنَعَتْ لِي هذِهِ الثَّرْوَةَ" (تثنية ۸: ۱۰-۱٤، ۱۷). للأسف هذا فِعلاً ما حدث آنذاك إذ بعدما جاءت البركة الروحية، جاءت البركات المادية، فرفس إسرائيل الرَّبّ الذي كان قد: "أرضعَهُ عَسَلاً مِنْ حَجَرٍ، وَزَيْتًا مِنْ صَوَّانِ الصَّخْرِ، ۱٤وَزُبْدَةَ بَقَرٍ وَلَبَنَ غَنَمٍ، مَعَ شَحْمِ خِرَافٍ وَكِبَاشٍ أَوْلاَدِ بَاشَانَ، وَتُيُوسٍ مَعَ دَسَمِ لُبِّ الْحِنْطَةِ، وَدَمَ الْعِنَبِ شَرِبْتَهُ خَمْرًا. ۱٥فَسَمِنَ يَشُورُونَ (إسرائيل الشبعان) وَرَفَسَ. سَمِنْتَ وَغَلُظْتَ وَاكْتَسَيْتَ شَحْمًا! فَرَفَضَ الإِلهَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَغَبِيَ عَنْ صَخْرَةِ خَلاَصِهِ" (تثنية ٣٢: ١٢-١٥)؛ "لَمَّا رَعَوْا شَبِعُوا. شَبِعُوا وَارْتَفَعَتْ قُلُوبُهُمْ، لِذلِكَ نَسُونِي" (هوشع ۱۳: ٦). هكذا كنيسة لاودكية اليوم، فهذه دروس روحيّة لكنيسة العهد الجديد في عصرنا اليوم.

يقول يسوع: "أمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ" (يوحنا ١٠: ١٠). فعندما يخلص الإنسان، يُبارِكُ الرَّبُّ حياتَهُ بأفضل ما على الأرض، فيأتي فخّ الإمتحان لأن الإزدهار المادي يجلب خطرًا روحيًّا. لذلك تقول حكمة الله: "لا تُعْطِنِي فَقْرًا وَلاَ غِنًى. أَطْعِمْنِي خُبْزَ فَرِيضَتِي، ۹لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ وَأَقُولَ: مَنْ هُوَ الرَّبّ؟" (أمثال ∙٣: ٨-٩)؛ "بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ" (جامعة ۱: ۲). كما يُعَلِّمُنا الرَّبّ يسوع أن نصلّي قائلين: "۱۱خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ....۱۳وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ" (متىّ ٦: ۱۱...۱۳). 

اليوم العالمُ في ازدِهارٍ مَادِّيٍّ كَبير، ووسائلُ رفاهيةِ الحياة أصبحت أسهلَ جدًا من الماضي، ولم نعد نرى فقرًا وبؤسًا مثل السابق. على مدار السنة تستطيع أن تأكل كلّ ما تشتهي عينُكَ مِن خَيرَاتِ أرضية، لم تكن مُتوفِّرَةً في الماضي إلا حسب الموسم، ولم تكن متوفرة بكثرة مثل اليوم. البيوت لا تخلو اليوم من وسائل راحة كهربائية، فأفقر الناس عندهم تلفزيونات وتلفونات خليوية وتواصل إجتماعي أرضي دنيوي. كل هذا أدَّى إلى افتقار في التواصل مع الرَّبّ يسوع وإلى فتور في الحياة الرُّوحيّة وإفتقار السعي في أثر ملكوت السماء. 

(١٨) "أشيرُ عليك أن تشتري مني ذهبًا مُصفًّى بالنار لكي تستغني. وثيابًا بيضًا لكي تلبس فلا يظهر خزي عُريتك. وكحِّلْ عينيك بكُحلٍ لِكَي تُبصِر." 

- أُشِيرُ عَليكَ أن تشتري مِنِّي ذَهَبًا مُصفًّى بالنار لكي تستغني - يوجِّهُ الرَّبّ يسوع ثلاث نصائح روحيّة إلى كنيسة لاودكية ناجعة للعلاج والشفاء:

(i) النصيحة الأولى هي العودة إلى الكرازة بكلمة الرَّبّ التي هي الذهب المصفّى بنار، والتي تُلهِبُ حياةَ المؤمن وتجلب الاضطهاداتِ عليهِ، لأنَّهُ مكتُوب: )؛ "وجميع الذين يريدون أن يعيشوا في التقوى في المَسِيح يسوع يُضْطَهَدُون" ؛ "اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ" (٢ تيموثاوس ٣: ١٢ ؛  ٤: ۲). الإضطهادُ نَافِعٌ إذ يقول بولس وبطرس الرسولين: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ المَسِيح لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ" (فيلبي ۱: ۲۹) ؛ "إِنْ كَانَ يَجِبُ ­ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، ۷لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إيمانكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ المَسِيح، ۸الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآن لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ، ۹نَائِلِينَ غَايَةَ إيمانكُمْ خَلاَصَ النُّفُوسِ" (١ بطرس ١: ٦-۹). 

جميلٌ جدًا للمؤمن أن يَمُرَّ بإمتحاناتٍ وتجارِبَ تُؤدِّي به إلى إنكار الذات والإتكال على الرَّبّ يسوع؛ فإنها تُجَوهِرُ إيمانه مثل الذهب النقي، وهذه لها ثمنٌ نفيس عندما يقف المَسِيحي الحقيقي أمام كرسي المَسِيح: "لأَنَّهُ بِنَارٍ يُسْتَعْلَنُ، وَسَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ. ۱٤إِنْ بَقِيَ عَمَلُ أَحَدٍ قَدْ بَنَاهُ عَلَيْهِ فَسَيَأْخُذُ أُجْرَةً. ۱٥إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيَخْلُصُ، وَلكِنْ كَمَا بِنَارٍ" (١ كورنثوس ٣: ١۳-١٥) ؛ "لأَنَّهُ لا بدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ المَسِيح، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا" (٢ كورنثوس ٥: ∙١). يُشِيرُ يسوعُ عليكَ أن تَمُرَّ في صعوباتٍ وتجارِبَ، وهكذا يتنقَّى إيمانُكَ وتزدهر روحيًا. فما عليك إلا أن تكرز بالإنجيل فيأتيك الاضطهاد، فتتمحصُ مثل الذهب حياتك وتطلعُ من فقرِكَ الرُّوحيّ ويصبح عندك غنىً روحي. 

- وثيابًا بيضًا لكي تلبس فلا يظهر خزي عُريتك – 

(ii) النصيحة الثانية للاودكية هي أن تُحَسِّنَ هِندَامَكَ الرُّوحِيّ لأنَّ الثوبَ المُهتَرِئَ يُظهِر العُريَ والخِزيَ ويرمز إلى الهزيمة والذلِّ الرُّوحيَّين.

الثيابُ البيضاء من الأعمال المَسِيحيّة الجيدة تُظهِر بِرّ المَسِيحيين الحقيقيين: "لأَنَّ الْبَزَّ هُوَ تَبَرُّرَاتُ الْقِدِّيسِينَ" (رُؤيا ١٩: ٨). لذلك ينصحنا الرَّبّ يسوع أن نرتدي ثوبًا إسمه ولونه "الأعمال الجيّدة" من حياة القداسة والبر والعدل والحق والرحمة والإيمان، وربح نفوس، ومحبة الإخوة لكي نُظهِر المَسِيح في حياتنا. علينا أن نجتهدَ لكي نُظهِر المَسِيح في بيوتنا، في كنائسنا، في أشغالنا، وفي مجتمعاتنا. يكفينا فخرًا أن نكونَ تلاميذ الرَّبّ يسوع وعبيده فنحمل صليبه ونتبعه كلّ يوم. نحنا لسنا تابعين إنسانًا بل خالق الإنسان، الرَّبّ يسوع المَسِيح، رب المجد!

- وكحِّلْ عينيكَ بكُحلٍ لكي تُبصِر – 

(iii) النصيحة الثالثة للعلاج والشفاء هي أنَّ المؤمن بحاجة لبصر سليم: "لأَنَّ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ هذِهِ، هُوَ أَعْمَى قَصِيرُ الْبَصَرِ، قَدْ نَسِيَ تَطْهِيرَ خَطَايَاهُ السَّالِفَةِ" (٢ بطرس ١: ٩). على المؤمن أن يَتخلى عن حياة الخطية ومحبة حياة العالم؛ وعليه أن يتحلَّى ببصيرة روحيّة سليمة إذ يسأل نفسه إلى أين سيُؤدِّي به المطافُ الذي هو فيه؟: "بِلاَ رُؤيا يَجْمَحُ الشَّعْبُ" (أمثال ٢٩: ١٨)؛ "ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ الْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ المَسِيح. هذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَديَّة" (١ يوحنا ٥: ∙٢). أُسلك في الحق كما هو في الحق فتستنير عيناك روحيًا: "لأَنَّهُ كَمَا هُوَ فِي هذَا الْعَالَمِ، هكَذَا نَحْنُ أَيْضًا" (۱ يوحنا ٤: ۱۷).

هذه النصائح سليمة ونافعة لكلّ مؤمن وتطبيقها ليس صعبًا علينا إن أنكرنا ذواتنا وثابرنا على الفرح الرُّوحيِّ في الغوص في كلمة الرَّبّ التي تُفرِحُ القلب أكثر من أيَّةِ مُتعة جسدية كما يقول داود الملك: "جَعَلْتَ سُرُورًا فِي قَلْبِي أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِهِمْ إِذْ كَثُرَتْ حِنْطَتُهُمْ وَخَمْرُهُمْ" (مزامير ٤: ٧). 

(١٩) "إنِّي كُلّ مَن أُحِبُّهُ أُوَبِّخُهُ وأُؤَدِّبُهُ. فكُنْ غَيُورًا وتُبْ" 

نرى هنا ثلاث مراحل متتالية بها يضعنا الرب يسوع على السكة السليمة: 

    (i) أُحِبُّهُ 

   (ii) أُوَبِّخُهُ 

  (iii) أُؤَدِّبُهُ 

ثلاث مراحل يستخدمها الله في جلب التوبة إلى داخلنا:

   (i)  أولاً، "أُحِبُّهُ": "كُنْتُ أَجْذِبُهُمْ بِحِبَالِ الْبَشَرِ، بِرُبُطِ الْمَحَبَّةِ" (هوشع ۱۱: ٤)؛ "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إلى التَّوْبَةِ؟" (رومية ٢: ٤).

  (ii) ثانيًا، "أُوبِّخُهُ": "هذِهِ صَنَعْتَ وَسَكَتُّ. ظَنَنْتَ أَنِّي مِثْلُكَ. أُوَبِّخُكَ، وَأَصُفُّ خَطَايَاكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ" (مزامير ∙٥: ٢١).

 (iii) ثالثًا، "أُؤدِّبُهُ": "وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ" (عبرانيين ١٢: ٨). في غيرته على حياة إبنه الروحية يقول له سليمان الحكيم: "يَا ابْنِي، لاَتَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبّ وَلاَتَكْرَهْ تَوْبِيخَهُ، ۱۲لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبّ يُؤَدِّبُهُ، وَكَأَبٍ بِابْنٍ يُسَرُّ بِهِ". ثم يقول  للآباء: "أَدِّبِ ابْنَكَ فَيُرِيحَكَ وَيُعْطِيَ نَفْسَكَ لَذَّاتٍ" (أمثال۳: ۱۱-۱۲؛ ٢٩: ١٧). معاملات الرب يسوع معك هدفها ان تنقذك من الاهمال والعصيان والضَّيَاع الرُّوحِي؛ فكن متواضعاً وخاضعاً وتُبّْ.

يُضْطَرُّ الرَّبُّ يسوع إلى أن يؤدِّبَنا لكي يُنقِّيَنا ونكونَ شعبه الخاص، لأنَّه يغار على وضعنا الروحي. إلهنا غيور ويغار علينا، لذلك: "يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. ٦لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ"، "وَلكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرّ لِلسَّلاَمِ" (عبرانيين ۱۲: ٥-٦، ۱۱). 

(∙٢) "هأنذا واقفٌ على الباب وأقرعُ. إن سمعَ أحدٌ صوتي وفتحَ الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي."

ليس الجميع يَرجِعُونَ عن ارتِدَادِهم الرُّوحِيّ، لذلك نراه يقول: "إن سَمِعَ أحَدٌ صوتي"! فنرى أنَّ الأغلبية لا تريد أن ترجع. لقد أصبح يسوع خارج الباب، خارج الكنيسة، خارج مخططاتها ومشاريعها وإرادتها الشخصية، فهي سالكة في الجسد ولا تريد العودة إلى العشاء الذي هو رمز الشركة الروحيّة مع الرَّبّ يسوع.

الدواء هو يسوع، هو الماء الحي، هو كلمة الله الحية التي تنقي قلوبنا مثلما تنظف المياه الأوساخ: "أَحَبَّ المَسِيح أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، ۲٦لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، ۲۷لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً" (أَفَسُس ٥: ۲٥-۲۷). 

نرى يسوع واقفًا على باب القلب لأن: "اَلْقَلْب أَخْدَع مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟ أَنَا الرَّبّ فَاحِصُ الْقَلْبِ" (إرمياء ۱۷: ۹-∙۱)؛ لأن الفكرَ مريضٌ روحيًا: "كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ، وكلّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ" (إشعياء ۱: ٥). لذلك ليكن لسان حال كلّ واحد مثل لسان داود النبي حين صلّى: "اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. ۲٤وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَديًّا" (مزامير ۱۳۹: ۲۳-۲٤). اقبل نصيحة سليمان الحكيم: "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ"؛ "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أمثال ٤: ۲۳؛ ۲۳: ۲٦). يَكشِفُ لنا الرَّبّ يسوع: "أَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُناكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" (متّى ٦: ۲۱).

يسوع يقرع على باب كلّ واحد منا؛ إنّه الرَّبّ يسوع الذي خلَّصنا من دينونة الخطيَّة وغيَّر مصير أَبَديَّتنا إلى سماء المجد لأنَّه رب المجد ويريدنا أن نرجع بقلب نقي وصادق ومستقيم إلى حياة الشركة المباركة معه. 

(٢١) "من يَغلِبْ فسأُعطِيهِ أنْ يجلِسَ مَعي في عَرشِي كما غلبتُ أنا أيضًا وجلستُ مع أبي في عرشِهِ."

نشكر الرَّبّ أنَّ هُناكَ دائمًا بقية قليلة أمينة: "وَإِشَعْيَاءُ يَصْرُخُ مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ: وَإِنْ كَانَ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ، فَالْبَقِيَّةُ سَتَخْلُصُ"؛ "فَكَذلِكَ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ أَيْضًا قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ" (رومية ۹: ۲۷؛ ۱۱: ٥). هذه البقية القليلة الأمينة للرب يسوع ستملكُ مع الرَّبّ يسوع. 

(٢٢) "مَنْ له أذن فليسمع ما يقوله الرُّوحُ لِلكَنائِس"

غريبٌ أنَّ الرَّبَّ يسوعَ يُوَجِّهُ هذا الحَثّْ الى كلّ واحدة من الكنائس السبع: "مَنْ له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس". فقط أقلية صغيرة تسمع وتصغي، فهل أنت مُصغٍ اليوم؟ هل أنت مصمِّم على العيش بأمانة للرب يسوع في حياة شركة روحيّة دائمة ومُبَارَكَة معه؟!

  • عدد الزيارات: 253